فجّرت قرارات وزارة التموين بوقف بطاقات 850 ألف مواطن في مصر خلال يونيو حالة من الغضب الشعبي العارم والارتباك، بعدما فوجئت أسر بحرمانها من حصص الخبز اليومية دون إنذار أو توضيح مسبق للأسباب.
وفي سياق سياسي وإنساني بالغ القسوة، يكشف قطع الخبز عن مواطنين بلا إخطار كيف تتعامل سلطة السيسي مع قوت الفقراء كرقم قابل للمحو، وتحول فشلها الإداري وفساد المنظومة إلى عقاب جماعي للبسطاء.
غضب أمام المخابز
بدأت موجة الغضب عندما توجه أصحاب البطاقات إلى المخابز كعادتهم، فاكتشفوا أن الحصة اليومية توقفت وأن البطاقة خرجت من المنظومة بلا رسالة تشرح السبب أو تمنحهم فرصة للاعتراض قبل الحرمان.
وفي إحدى الوقائع، وجدت سيدة تجاوزت 66 عاماً نفسها أمام مطلب شبه مستحيل تمثل في تقديم بطاقة والدها المتوفى منذ 1979، لتتحول محاولة استعادة الخبز إلى رحلة إذلال بين المكاتب والمنصات.
كذلك، شكا مزارعون من توقف بطاقاتهم بسبب امتلاك عدادات مياه تستخدم في ري أراض محدودة، رغم أن العداد وسيلة للإنتاج وليس دليلاً على الثراء أو الاستغناء عن الدعم الغذائي اليومي.
وبالتوازي، واجهت أسر النتيجة نفسها بسبب إلحاق أبنائها بمدارس خاصة، مع أن دفع مصروفات التعليم قد يأتي من الاقتراض أو تقليص احتياجات أخرى، ولا يعكس بالضرورة دخلاً مرتفعاً أو حياة مرفهة.
ومن ناحية أخرى، لم ينشأ الغضب من الحذف وحده، بل من طريقة تنفيذه، إذ وضع القرار المواطنين أمام أمر واقع وحرمهم من الخبز أولاً، ثم طلب منهم إثبات أنهم يستحقونه.
ومن جانبه، يرى الدكتور مراد علي أن الغضب الشعبي مفهوم، لأن الحكومة بدأت بالعقوبة قبل التحقق، واعتمدت مؤشرات منفردة لا تقيس الدخل الحقيقي ولا عدد المعالين ولا حجم الديون والالتزامات.
وبحسب رؤيته، فإن السيارة أو عداد المياه أو المدرسة الخاصة لا تكفي للحكم على قدرة الأسرة، لأن الأصل قد يكون قديماً أو ممولاً بقرض أو مستخدماً لكسب الرزق اليومي الوحيد.
لذلك، أصبحت طوابير التظلمات امتداداً لطوابير المخابز، وصار المواطن مطالباً بمواجهة نظام لا يشرح قراراته، بينما تتزايد مشاعر الغضب والمهانة وفقدان الثقة في عدالة توزيع الدعم وإدارته من جانب الحكومة الحالية.
فوضى الحذف الآلي
أما معايير الاستبعاد، فتشمل امتلاك سيارة تتجاوز قيمتها مليون جنيه، أو حيازة زراعية تزيد على 10 أفدنة، أو شركة برأسمال مدفوع يفوق مليوناً و750 ألف جنيه، إضافة إلى المصروفات التعليمية المرتفعة.
غير أن هذه القواعد تتعامل مع المجتمع كجداول جامدة، وتتجاهل تغير الظروف بعد المرض أو البطالة أو الوفاة، كما لا تميز بين أصل يدر دخلاً وثروة قائمة فعلياً لدى الأسرة.
وفوق ذلك، تصدر نظم الحاسوب المركزية قرارات الوقف بناء على بيانات قد تكون قديمة أو ناقصة، ثم يتحمل المواطن وحده عبء تصحيحها، رغم أن الجهات الحكومية تملك وسائل مراجعتها مسبقاً.
وفي المقابل، يكتفي المسؤولون بالقول إنهم أدوات تنفيذ وإن الحاسوب هو صاحب القرار، وهو تبرير يخفي المسؤولية السياسية عن وضع المعايير واعتماد الحذف وتعطيل الخبز قبل التحقيق الفردي في الحالات.
وفي الوقت نفسه، تستهدف موازنة 2026 و2027 إنتاج 116 ملياراً و400 مليون رغيف، مع تخصيص 133 ملياراً و700 مليون جنيه لدعم القمح اللازم لإنتاج 8 ملايين و600 ألف طن سنوياً.
وعلى الجانب الآخر، تبرر الوزارة التنقية بمواجهة فساد يقدر بنحو 30 مليار جنيه عبر تهريب الدقيق والتلاعب بالأوزان واستغلال البطاقات، غير أن المواطنين يرفضون تحميلهم فاتورة جرائم لم يرتكبوها قط.
وفي قراءة الدكتور عبدالمطلب عبدالنبي، فإن توفير أموال الدعم بحذف المواطنين لا يمثل إصلاحاً إذا ظلت شبكات التهريب والتلاعب قائمة، لأن جوهر الأزمة رقابي وإداري قبل أن يكون مالياً بحتاً.
كما يؤكد أن العدالة تقتضي قياس الدخل الفعلي لا الاكتفاء بعلامات ظاهرية، مع مراجعة كل حالة بشرياً وإبقاء الخبز متاحاً حتى انتهاء التظلم، بدلاً من افتراض الثراء ثم مطالبة الفقير بنفيه.
الخبز خط أحمر
وعلى الصعيد الإنساني، لا يعني توقف البطاقة خسارة بضعة أرغفة فقط، بل يعني اقتطاع جزء ثابت من غذاء أسرة أنهكها الغلاء وتآكل الدخل، وقد يدفعها إلى تقليل الوجبات والاستدانة لسد احتياجاتها.
ومن جهته، يرى الدكتور ثروت نافع أن رغيف الخبز يمثل آخر خطوط الأمان لدى ملايين المصريين، وأن المساس به فجأة يهدد الاستقرار الاجتماعي ويفتح باب غضب لا يمكن احتواؤه بالتصريحات البيروقراطية.
ووفقاً لتقديره، فإن السلطة التي تطلب من المواطنين تحمل الغلاء والإصلاح لا تستطيع سحب أبسط حقوقهم الغذائية بلا إنذار، لأن ذلك يحول الدعم من حق اجتماعي إلى أداة للضغط والإخضاع.
وفي هذا الإطار، انتقدت تحركات برلمانية الحذف العشوائي والاعتماد على نوع السيارة أو المدرسة، وطالبت بمراجعة الملفات قبل الوقف، مؤكدة أن مؤشراً واحداً لا يكشف حقيقة مستوى المعيشة لأي أسرة.
وبناء على ذلك، تتصاعد المطالب بإخطار المواطن برسالة نصية واضحة تشرح سبب الاستبعاد والمستندات المطلوبة، ومنحه مهلة لا تقل عن شهرين لتحديث البيانات قبل توقف حصته اليومية من الخبز المدعوم.
إضافة إلى ذلك، تتطلب العدالة مساراً حضورياً مبسطاً للمسنين وغير القادرين على التعامل مع المنصات، وقبول بدائل للمستندات القديمة، وربط قواعد البيانات الحكومية حتى لا يصبح المواطن ساعي بريد بينها.
ومن ثم، ينبغي وقف تنفيذ قرارات الحذف حتى انتهاء فحص التظلمات، واستمرار صرف الخبز خلال المراجعة، لأن الأصل حماية المستفيد المحتمل من الجوع، لا حرمانه ثم الاعتذار له لاحقاً.
ختاماً، لن تهدأ حالة الغضب الشعبي ما دامت البطاقات تتوقف بلا إنذار والتظلمات تغرق في التعقيد، فالشفافية والمراجعة البشرية ومحاسبة الفساد الحقيقي هي الطريق لحماية الدعم لا قطع الخبز عن البسطاء.

