كتب مصطفى كامل السيد أن مشروع قانون إعادة تنظيم هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة يعكس استمرار النهج الذي يحكم إدارة الاقتصاد المصري منذ عام 2014، والقائم على توسيع دور القوات المسلحة في الأنشطة الاقتصادية، معتبرًا أن نقل تبعية الهيئة من وزارة الدفاع إلى رئاسة الجمهورية لا يغير جوهر السياسة الاقتصادية، بل يعيد ترتيب الإشراف الإداري عليها.


ونشرت منصة المنصة المقال، موضحة أن مناقشات مجلس النواب بشأن مشروع القانون اكتسبت أهمية خاصة لأنها تفتح الباب أمام إعادة تقييم فلسفة إدارة الاقتصاد المصري، لا مجرد تعديل هيكل إداري. ويرى الكاتب أن نتائج هذا النهج تبدو واضحة في معدلات النمو، وارتفاع الدينين المحلي والخارجي، وزيادة التضخم، واتساع معدلات الفقر، متسائلًا عن جدوى الاستمرار في السياسات نفسها مع توقع نتائج مختلفة.

 

نقل التبعية لا يغيّر فلسفة إدارة الاقتصاد

 

يرى الكاتب أن توقيت طرح مشروع القانون جاء عقب المراجعة السابعة لصندوق النقد الدولي، التي تضمنت ملاحظات بشأن إدارة الاقتصاد المصري ودور المؤسسة العسكرية فيه. ويشير إلى أن اتفاق مصر مع الصندوق عام 2016 دعا إلى توسيع مساحة القطاع الخاص وتقليص الحضور العسكري في الاقتصاد، بينما يكتفي مشروع القانون بنقل الإشراف على الهيئة من وزير الدفاع إلى رئيس الجمهورية، دون تغيير حقيقي في طبيعة إدارتها.


ويضيف أن مشروع القانون يمنح الهيئة صلاحيات أوسع لإدارة الموارد المالية للدولة عبر صناديق سيادية وخدمية، في الوقت الذي لا تظهر فيه مؤشرات على فتح المجال أمام القطاع الخاص لإدارة شركات لا ترتبط مباشرة بالاعتبارات الاستراتيجية.


ويضرب الكاتب مثالًا بصفقة إعادة هيكلة شركة «وطنية» لتوزيع الوقود، إذ تشير التقارير إلى أن شركة «طاقة» ستحصل على حصة محدودة في الكيان الجديد، بينما يحتفظ الشركاء الآخرون بالحصة الأكبر، وهو ما يراه دليلًا على استمرار الدولة في الاحتفاظ بالسيطرة على هذه الأنشطة.

 

تداخل اختصاصات الهيئة مع الوزارات يثير تساؤلات

 

يشير الكاتب إلى أن هيئة مستقبل مصر ستتولى، وفق مشروع القانون، ملفات ترتبط بالأمن الغذائي والمائي والطاقة وجذب الاستثمارات واستصلاح الأراضي، وهي اختصاصات تدخل بالفعل ضمن مسؤوليات وزارات الزراعة والري والبترول والكهرباء والاستثمار.


ويتساءل عن أسباب إنشاء كيان جديد يتولى هذه المهام، رغم امتلاك الوزارات المعنية خبرات مؤسسية متراكمة في إدارتها، معتبرًا أن الهيئة ستضطر في النهاية إلى الاعتماد على تلك المؤسسات لتنفيذ أعمالها، بينما لم تقدم حتى الآن ما يثبت تفوقها في إدارة الأصول أو تحقيق أهدافها المعلنة.


كما يلفت إلى أن مسؤولي الهيئة لم يقدموا للرأي العام بيانات واضحة حول تكلفة مشروعاتها أو حجم ما حققته من نتائج، كما لم يوضحوا ما إذا كانت توسعاتها الزراعية اعتمدت على استصلاح أراضٍ جديدة أم على ضم أراضٍ سبق استصلاحها.

 

دور القوات المسلحة والاقتصاد بين الضرورات والاختصاصات

 

يوضح الكاتب أن الانتقادات الموجهة إلى توسع القوات المسلحة في الاقتصاد لا تستهدف دورها الوطني أو الصناعات العسكرية أو مشاركتها في بعض مشروعات البنية التحتية، وإنما تتركز على دخولها مجالات مثل استصلاح الأراضي، وإنتاج المكرونة، والمخابز، والاستزراع السمكي، والإعلام، وإنشاء الجامعات، وهي أنشطة يرى أنها لا تتوافق مع طبيعة المؤسسة العسكرية.


ويستند إلى أفكار الاقتصادي آدم سميث حول أهمية التخصص وتقسيم العمل باعتبارهما أساسًا لرفع الكفاءة وتحقيق التنمية، كما يشير إلى رؤية كارل بولاني التي تؤكد ضرورة تدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية ومعالجة اختلالات اقتصاد السوق، معربًا عن تفضيله نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي اشتهرت به دول شمال أوروبا.


ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن إعادة تنظيم هيئة مستقبل مصر بصيغتها الجديدة تثير تساؤلات حول مستقبل توزيع الاختصاصات داخل مؤسسات الدولة، ومدى قدرتها على تحقيق أهداف التنمية المستدامة بكفاءة، في ظل استمرار تداخل أدوارها مع الوزارات والهيئات القائمة، وانتظار صدور التصديق الرئاسي النهائي على القانون بعد موافقة مجلس النواب عليه.