في حدث استثنائي يمثل بارقة أمل جديدة في جهود حماية الحياة البرية، شهد مركز إكثار النمر العربي التابع للهيئة الملكية لمحافظة العلا   شمال غرب المملكة العربية السعودية، ولادة ثلاثة توائم من النمور العربية المهددة بالانقراض، في واحدة من أندر حالات التكاثر المسجلة لهذا النوع خلال العقود الأخيرة، لتشكل هذه الولادة خطوة مهمة في مسار إعادة إحياء أحد أكثر الحيوانات البرية ندرة في المنطقة.

 

وُلدت الهراميس الثلاثة في 19 يونيو الماضي داخل مركز إكثار النمر العربي، حيث سجلت هذه الحالة كأول ولادة موثقة لثلاثة توائم من النمر العربي في الأسر داخل المملكة العربية السعودية، والثالثة عالميًا خلال نحو 30 عامًا وفق السجلات المتوفرة، في مؤشر يعكس التطور الكبير الذي حققته برامج المحافظة على هذا النوع النادر.

 

وتضم المجموعة الجديدة ذكرين وأنثى، وقد أظهرت الفحوصات والمتابعة المستمرة أن الأشبال الثلاثة يتمتعون بصحة جيدة وحيوية واضحة، حيث بدأوا في استكشاف محيطهم واللعب مع والدتهم "ورد"، البالغة من العمر 6 سنوات، والتي وُلدت هي الأخرى داخل مركز إكثار النمر العربي، ما يعكس نجاح برامج التربية المتخصصة داخل المركز.

 

أما والد الأشبال فهو النمر العربي "باهر"، البالغ من العمر نحو 13 عامًا، والذي وصل إلى المركز قادمًا من الديوان السلطاني في سلطنة عُمان على سبيل الإعارة لمدة عام، ضمن برنامج إقليمي يهدف إلى تعزيز التنوع الجيني للنمور العربية، وإدخال سلالات جديدة تساعد في الحفاظ على استدامة برامج التكاثر ومنع ضعف التنوع الوراثي.

 

 

برنامج سعودي لإعادة النمر العربي إلى موطنه الطبيعي


وأكد عبدالعزيز العنزي، مدير الإكثار في مركز النمر العربي، أن هذه الولادة تمثل أهمية كبيرة ضمن رؤية الحفاظ على البيئة الطبيعية في العلا، مشيرًا إلى أن النمر العربي يعد رمزًا رئيسيًا لجهود إعادة التوازن البيئي وحماية الأنواع المهددة.

 

وأوضح العنزي أن الهيئة الملكية لمحافظة العلا تعمل على إعداد النمور التي تولد ضمن المشروع بهدف إطلاقها مستقبلًا في البرية، بعد تدريبها وتأهيلها وتقليل اعتمادها على البشر، لضمان قدرتها على التأقلم والعيش في بيئتها الطبيعية.

 

وأشار إلى أن الهدف النهائي يتمثل في إعادة النمور العربية للتجول بحرية داخل الأودية والمناطق الطبيعية في العلا، بعد أن اختفت من العديد من موائلها الأصلية بسبب عوامل متعددة، أبرزها فقدان البيئة الطبيعية والصيد الجائر وتراجع أعداد الفرائس.

 

 

ولادات متتالية تعزز آمال بقاء النمر العربي


وتأتي ولادة التوائم الثلاثة بعد أسابيع قليلة من تسجيل ولادة أخرى داخل المركز، حيث شهد المركز في 23 مايو الماضي ولادة توأم جديد من النمور العربية، مكون من ذكر وأنثى، أنجبهما الذكر "علي" البالغ من العمر 13 عامًا، والأنثى "فجر" البالغة من العمر 5 سنوات.

 

وتعد هذه الولادة الثانية لهذا الزوج من النمور، حيث يواصل الشبلان الصغيران النمو واكتساب المهارات الطبيعية من خلال اللعب والاختباء بين الصخور، في سلوكيات تساعدهما على تطوير قدراتهما قبل الانتقال إلى مراحل عمرية أكثر تقدمًا.

 

وترى الجهات المختصة أن تزايد أعداد الولادات داخل المركز يمثل مؤشرًا إيجابيًا على نجاح الجهود المبذولة لاستعادة أعداد النمر العربي، خاصة في ظل التراجع الكبير الذي شهده هذا النوع خلال السنوات الماضية.

 

 

النمر العربي.. أحد أكثر الحيوانات المهددة بالانقراض


يصنف الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة النمر العربي ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشكل حرج في البرية منذ عام 1996، وتشير التقديرات إلى وجود ما بين 100 و120 نمرًا عربيًا فقط في البرية حول العالم، بينما لم تُسجل أي مشاهدات مؤكدة لهذا الحيوان في السعودية منذ أكثر من عقد.

 

وشهد مركز إكثار النمر العربي تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ عدد النمور الموجودة فيه حاليًا 32 نمرًا، مقارنة بـ14 نمرًا فقط عند تولي الهيئة الملكية لمحافظة العلا مسؤولية المركز عام 2020.

 

وخلال العام الماضي وحده، سجل المركز سبع ولادات للنمور العربية، فيما شهد العام الحالي حتى الآن خمس ولادات جديدة، ما يعكس ارتفاع معدلات النجاح في برامج التكاثر والرعاية المتخصصة.

 

 

مراقبة دقيقة للأشبال الثلاثة دون إزعاجها


وتتولى المختصة في سلوكيات النمور العربية زينب المبارك وفريقها مهمة متابعة الأشبال الثلاثة، حيث تعتمد عمليات المراقبة على كاميرات خاصة لتجنب التدخل المباشر أو التأثير على سلوك الأم وصغارها.

 

وقالت المبارك إن رؤية الأشبال الثلاثة بصحة جيدة ونشاط تمثل لحظة مميزة للفريق، مؤكدة أن هذه النمور الصغيرة تحمل أمل المستقبل لهذا النوع المهيب.

 

وأظهرت المراقبة اختلاف شخصيات الأشبال منذ أسابيعها الأولى، حيث بدا اثنان منها أكثر نشاطًا وحركة، إذ يقضيان وقتًا طويلًا في التسلق واللعب والمنافسة بين الصخور، بينما يميل الثالث إلى الهدوء والاقتراب من والدته بشكل أكبر.

 

وكشفت المتابعة أن الشبل الأكثر ارتباطًا بوالدته هو الأنثى، بينما يمثل الذكران الجانب الأكثر نشاطًا وشغبًا خلال اللعب، وهي سلوكيات طبيعية تساعد الأشبال على تطوير مهارات الصيد والتفاعل الاجتماعي مستقبلًا.

 

 

مستقبل النمور العربية يبدأ من العلا


وحصلت الأشبال الثلاثة على أولى جرعات التطعيم والفحوصات الصحية عند بلوغها ثلاثة أشهر، وأكد الفريق الطبي أنها تتمتع بحالة صحية مستقرة، فيما ستبقى مع والدتها لمدة تصل إلى 18 شهرًا لاكتساب الخبرات اللازمة قبل مراحل التأهيل التالية.

 

ويعد مركز إكثار النمر العربي في العلا أحد أبرز المراكز العالمية المتخصصة في حماية هذا النوع، حيث لا يقتصر دوره على التكاثر فقط، بل يمتد إلى إعداد النمور لإعادة إدخالها إلى الطبيعة والمساهمة في حماية الموائل البرية.

 

كما يأتي المشروع ضمن مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء، التي تهدف إلى حماية 30% من المناطق البرية والبحرية، وتعزيز التنوع البيولوجي والحفاظ على الأنواع النادرة.

 

وتمنح ولادة التوائم الثلاثة أملًا جديدًا في عودة النمر العربي إلى موطنه الطبيعي بعد عقود من التراجع، ليبقى هذا الحيوان رمزًا للتوازن البيئي وثروة طبيعية تسعى الجهود العلمية إلى إنقاذها من خطر الاختفاء.