أثار إعلان القوات المسلحة تأسيس جامعة كيان، باعتبارها أول جامعة ذات صفة مدنية تعمل تحت مظلتها وتستقبل طلاب الثانوية العامة والأزهرية والشهادات المعادلة، موجة واسعة من التساؤلات بشأن حدود الدور العسكري ومرجعية الجامعة وشروط القبول فيها، خصوصًا مع طرح كليات مدنية مثل الطب والهندسة والصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي والذكاء الاصطناعي، وإخضاع المتقدمين لاختبارات نفسية وكشف هيئة ومقابلات تحمل طابعًا عسكريًا.

 

وتجاوز الجدل مسألة إضافة جامعة جديدة إلى خريطة التعليم العالي، ليتحول إلى نقاش سياسي حول تمدد المؤسسة العسكرية داخل المجالات المدنية، وإمكانية إنشاء مسار تعليمي موازٍ يخضع لمعايير واختيارات غير واضحة. وركز منتقدون على غياب الإجابات بشأن الجهة الأكاديمية التي ستشرف على الجامعة، وكيفية اعتماد شهاداتها، ومدى خضوعها لقواعد المجلس الأعلى للجامعات وهيئات الجودة، وما إذا كانت ستلتزم بقواعد القبول والتنسيق المطبقة على بقية الجامعات المصرية.

 

 

جامعة مدنية بشروط عسكرية

 

قال عماد مبارك إن القوات المسلحة أعلنت إطلاق جامعة كيان بالقوات المسلحة، بوصفها أول جامعة تعمل بالصفة المدنية تحت مظلة الجيش، على أن تبدأ الدراسة بها اعتبارًا من دفعة أكتوبر 2026. ويضع هذا الإعلان الجامعة في منطقة غير مألوفة تجمع بين الطابع المدني في الدراسة والدرجات العلمية، والمظلة العسكرية في الإدارة والقبول والتنظيم.

 

 

 

واعتبر الدكتور مراد علي أن تأسيس القوات المسلحة جامعة مدنية يثير الاستغراب، لأن إنشاء كليات الطب والهندسة والصيدلة ليس من الأدوار المعتادة للمؤسسات العسكرية. وتساءل عن مدلول اسم كيان، وما إذا كان يشير إلى تأسيس كيان موازٍ للحياة المدنية يرتبط بالجيش ويعمل خارج الإطار الجامعي التقليدي.

 

 

 

وركز مراد علي على شروط الالتحاق المعلنة، معتبرًا أن اشتراط اجتياز الاختبارات النفسية وكشف الهيئة يطرح علامات استفهام حول طبيعة الجامعة. فالاختبارات من هذا النوع ترتبط عادة بالكليات العسكرية والشرطية التي تعد الضباط، بينما يفترض أن تعتمد الجامعات المدنية على المعايير الأكاديمية ومجموع الطالب وقواعد التنسيق المعلنة.

 

ومن جانبه، وصف الدكتور أحمد العربي الشروط بأنها خليط غريب بين الاشتراطات العسكرية والمدنية، ورجح أن تصبح الجامعة وجهة لأبناء نخبة الجيش والأجهزة الأمنية، فضلًا عن تحولها إلى مصدر دخل كبير لقيادات المؤسسة العسكرية. كما أثار سؤالًا محوريًا بشأن الجهة التي ستمنح الجامعة الاعتماد الأكاديمي.

 


https://x.com/Myahmadiat/status/2075791647171083643

 

وتساءل العربي عما إذا كانت مرجعية الجامعة ستكون وزارة التعليم العالي والجهات المدنية المختصة بالاعتماد، أم مؤسسات التعليم العسكري، وهو تساؤل يرتبط مباشرة بقيمة الشهادات التي ستمنحها وبمدى خضوع البرامج الدراسية وأعضاء هيئة التدريس والامتحانات للضوابط الأكاديمية المطبقة على الجامعات الأخرى.

 

وتكشف هذه التساؤلات أن الإشكال لا يتعلق بوجود مؤسسة تعليمية تديرها جهة عسكرية فحسب، بل بمزج منظومتين مختلفتين. فالجامعة المدنية تقوم نظريًا على الاستقلال الأكاديمي وحرية البحث وتكافؤ الفرص، بينما تقوم المؤسسة العسكرية على الانضباط والأوامر والتراتبية والاختيار الأمني، ما قد ينتج نموذجًا غير واضح الهوية.

 

 

بوابة محتملة للنخبة

 

رأى حكيم أن جامعة كيان قد تتحول إلى جامعة مخصصة لعلية القوم وأبنائهم وأقاربهم، توفر لهم تعليمًا جيدًا وفرصًا مضمونة في التوظيف، بعيدًا عن غالبية المصريين. ويعكس هذا الرأي مخاوف من أن تصبح شروط القبول الخاصة وسيلة لتكوين طبقة تعليمية مرتبطة بدوائر السلطة والنفوذ.

 

 

 

وتتعزز هذه المخاوف بسبب طبيعة كشف الهيئة والمقابلات الشخصية، إذ يصعب قياسها بمعايير رقمية واضحة أو الطعن في نتائجها بسهولة. ففي نظام التنسيق التقليدي يعرف الطالب الحد الأدنى المطلوب للقبول، بينما تمنح لجان الاختيار الشخصية مساحات واسعة للتقدير قد تفتح أبواب الوساطة والمحسوبية والاستبعاد لأسباب غير أكاديمية.

 

أما بكر، فذهب إلى التحذير من مرحلة لاحقة قد يصبح فيها التخرج في جامعة كيان شرطًا أو أفضلية للعمل داخل مؤسسات الحكومة. كما سخر من احتمال امتداد نموذج الأكاديمية إلى تأهيل أئمة المساجد وغيرهم من العاملين المدنيين، في إشارة إلى التخوف من ربط المسارات المهنية بالدراسة داخل مؤسسات تتبع الجيش.

 

 

 

ويطرح ذلك احتمال تكوين مسار مغلق يبدأ بالقبول وفق اختبارات خاصة، ثم ينتهي بامتيازات في التعيين داخل الأجهزة الحكومية أو المشروعات التابعة للدولة. وحتى في غياب إعلان رسمي عن تلك الأفضلية، فإن ارتباط الجامعة بالقوات المسلحة قد يمنح خريجيها قوة رمزية وشبكات علاقات مختلفة عن خريجي الجامعات العامة والخاصة.

 

كما يثير طرح كليات مرتفعة التكلفة، مثل الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي، أسئلة بشأن المصروفات ومصادر التمويل وطبيعة الأراضي والمنشآت المخصصة للجامعة. فإذا كانت الجامعة مدنية بمصروفات، فإنها ستدخل سوق التعليم الخاص والأهلي منافسًا جديدًا يتمتع بدعم مؤسسي وأراضٍ وقدرات لا تتوافر لجامعات أخرى.

 

وفي هذه الحالة، لن تقتصر القضية على العدالة بين الطلاب، بل ستمتد إلى تكافؤ المنافسة بين المؤسسات التعليمية نفسها. فالجامعة التابعة لجهة سيادية قد تحصل على امتيازات في الإنشاء والتعاقد والحماية والتمويل، ما يجعلها تعمل في السوق المدني من موقع أقوى من الجامعات الخاضعة للرقابة المدنية المعتادة.

 

 

عسكرة التعليم والدولة

 

قال السياسي أسامة رشدي إن إنشاء جامعة كيان يمثل انتقالًا جديدًا في مسار عسكرة الدولة، بعدما امتد نفوذ الجيش، بحسب وصفه، إلى السياسة والاقتصاد والإعلام والشركات والمصانع والطرق والفنادق والمزارع وإدارة أصول الدولة. واعتبر أن التعليم الجامعي المدني أصبح المجال الجديد لهذا التوسع.

 

 

 

ورأى رشدي أن السؤال لم يعد متعلقًا بالمجالات التي دخلها الجيش، بل بما بقي خارج سلطته، مشيرًا إلى أن الجامعة ستستقبل طلاب الشهادات العامة وتمنح درجات في تخصصات مدنية بالكامل، لكنها ستطبق في الوقت نفسه منظومة شروط واختبارات ذات طابع عسكري.

 

وتساءل عن الجهة التي منحت القوات المسلحة سلطة إنشاء جامعة مدنية تمنح درجات علمية، معتبرًا أن وزارات التعليم العالي وهيئات الاعتماد الأكاديمي هي الجهات التي تتولى هذا الدور في الدول الحديثة، بينما تتمثل الوظيفة الأساسية للجيوش في حماية الحدود والأمن القومي وإعداد الضباط.

 

وقارن رشدي بين جامعة كيان والأكاديميات العسكرية المعروفة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، مثل ويست بوينت وساند هيرست وسان سير، موضحًا أن هذه المؤسسات أنشئت لإعداد الضباط والكوادر العسكرية، ولا تعمل بوصفها جامعات مدنية تنافس الجامعات الوطنية على خريجي الثانوية العامة في تخصصات الطب والصيدلة والهندسة.

 

ووضع رشدي نظام القبول في مركز انتقاداته، لأن الاعتماد على كشف الهيئة والمقابلات والاختبارات النفسية قد يسمح، وفق تقديره، بتفضيل أبناء أصحاب النفوذ، أو قبول طلاب لا تؤهلهم درجاتهم للالتحاق بهذه الكليات عبر التنسيق العام، بما يهدر مبدأ تكافؤ الفرص.

 

كما حذر من تحول الشروط الخاصة إلى مدخل خلفي للمحسوبية، في ظل غياب رقابة معلنة على تشكيل لجان القبول ومعايير تقييمها وطرق التظلم من قراراتها. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة لأن الالتحاق بكليات الطب والهندسة يمثل حلمًا لآلاف الأسر التي تخضع لقواعد تنسيق صارمة.

 

ومن زاوية أوسع، اعتبر رشدي أن الدول القوية تقوم على تخصص المؤسسات واستقلالها، لا على جمع سلطات الاقتصاد والإعلام والتعليم والإدارة في يد مؤسسة واحدة. فتمدد الجيش داخل الحياة المدنية، في رأيه، لا يضعف المؤسسات المدنية وحدها، بل قد يشتت المؤسسة العسكرية عن مهمتها الأصلية.

 

وبينما لم تتضمن الآراء المنشورة إجابات رسمية بشأن الاعتماد الأكاديمي أو قواعد القبول والمصروفات أو فرص التوظيف، فإن كثافة الأسئلة تكشف أزمة ثقة حقيقية. فالإعلان عن جامعة مدنية تابعة للجيش من دون شرح تفصيلي لمرجعيتها يترك المجال مفتوحًا للتأويلات والشكوك.

 

ويتطلب حسم الجدل نشر القانون أو القرار المنظم للجامعة، وتحديد علاقتها بوزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات، والكشف عن قواعد اعتماد كلياتها وشهاداتها، ومعايير اختيار الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وطرق التظلم، ومصادر التمويل، والجهة التي ستراجع حساباتها.

 

كما يتطلب الأمر ضمان ألا تتحول الجامعة إلى مسار موازٍ للتنسيق العام، أو بوابة لمنح مزايا تعليمية ووظيفية لفئات مرتبطة بمؤسسات السلطة. فالجامعة المدنية لا تصبح مدنية بمجرد فتح أبوابها لطلاب الثانوية، بل بخضوعها للشفافية والرقابة الأكاديمية وتكافؤ الفرص.

 

وفي النهاية، وضع إعلان جامعة كيان المجتمع أمام سؤال يتجاوز اسم المؤسسة الجديدة أو موعد بدء الدراسة. فالقضية تتعلق بحدود الدور العسكري في الدولة، ومستقبل استقلال التعليم الجامعي، وما إذا كانت مصر تتجه إلى إصلاح مؤسساتها المدنية، أم إلى نقل مزيد منها تحت المظلة العسكرية.