بدأت وزارة التموين في مصر تطبيق معايير استحقاق تستهدف استبعاد نحو 2 مليون مواطن من منظومة الدعم، ففوجئت أسر خلال اليومين الماضيين بوقف بطاقاتها عند المخابز ومنافذ الصرف، لتتفجر موجة غضب وتظلمات.

 

ويأتي الحذف في وقت تضغط فيه الأسعار على الأسر محدودة الدخل، ما يحول القرار من إجراء إداري إلى أزمة إنسانية وسياسية، لأن الدولة تنتزع دعما أساسيا أولا ثم تطلب من المتضرر إثبات فقره لاحقا.

 

وفي غضون ذلك، انتشرت على منصات التواصل صور لبونات خبز تحمل عبارة تم إيقاف بطاقتك، بعدما وصل مواطنون إلى المخابز وهم يتوقعون حصتهم المعتادة، فعادوا برسالة مباغتة وقلق على غذاء أسرهم.

 

وعلى وقع ذلك، قال مواطنون إن أسباب الاستبعاد المطبوعة لا تعكس أوضاعهم الفعلية، فتوجهت أعداد متزايدة إلى مكاتب التموين بالمحافظات حاملة المستندات، في محاولة لاستعادة حق أوقفته قاعدة بيانات بلا إنذار مفهوم.

 

وبينما تبرر الوزارة الإجراءات بحماية المال العام، تكشف الوقائع أن كلفة الخطأ تقع كاملة على المواطن، فلا تتحمل الجهة التي حذفته عبء إثبات صحة بياناتها، بل يتحول المستبعد إلى متهم مطالب بإثبات حاجته.

 

كذلك فوجئت مديحة الدالي من محافظة الجيزة بتوقف بطاقتها بدعوى امتلاك زوجها سيارة حديثة، رغم تأكيدها أن الأسرة محدودة الحال ولا تملك أصولا، وهو نموذج يثير الشك في دقة الربط بين البيانات والواقع.

 

وفي هذا السياق، انتقد الخبير الاقتصادي محمد فؤاد بعض معايير الاستبعاد، موضحا أن الدولة تعتمد الحذف والتنقية أكثر من الاستهداف العلمي، وأن امتلاك سجل تجاري أو تعليم الأبناء لا يعني بالضرورة الثراء.

 

وبدوره، حذر فؤاد من معايير تحتاج إلى ضبط دقيق، لأن صاحب ورشة صغيرة قد يحمل سجلا تجاريا، والأسرة قد تقتطع من قوتها لتعليم أبنائها، بينما تتعامل الخوارزمية مع المؤشر كأنه حكم اجتماعي نهائي.

 

لذلك، تبدو المشكلة أعمق من وجود غير مستحقين داخل المنظومة، فالسؤال يتعلق بمن يحدد الاستحقاق وكيف يراجع البيانات قبل العقاب، ولماذا يبدأ النظام بالحذف ثم يفتح باب التصحيح بعدما يفقد المواطن خبزه وسلعه.

 

معايير مضطربة تعيد أخطاء الاستبعاد

 

من ناحية أخرى، توقفت بطاقة أسرة إيمان أحمد دون أن تعرف السبب، رغم قولها إن دخل زوجها الشهري لا يتجاوز 6 آلاف جنيه، لتتحول الأسرة من مستفيدة إلى مستبعدة من دون تفسير واضح عند لحظة الصرف.

 

ثم ظهرت مشكلة أكثر ارتباكا حين أخبرت ماكينات بعض المخابز مواطنين بأن بطاقاتهم غير موجودة في قاعدة البيانات، وهو ما حرمهم حتى من معرفة سبب الإيقاف، ودفعهم إلى انتظار ظهور المعلومة قبل بدء التظلم.

 

ومع تكرار الشكاوى، نصح صاحب المخبز إبراهيم ثعلب بعض المتضررين بالانتظار حتى ظهور أسباب الإيقاف على النظام، لأن التوجه المبكر إلى المكاتب لن يحل بطاقة مجهولة السبب، ما يكشف خللا في مسار الإبلاغ نفسه.

 

وعلى مستوى آخر، تشمل معايير الاستبعاد ارتفاع الدخل أو المعاش، وزيادة استهلاك الكهرباء والهاتف، وامتلاك حيازات زراعية، وسداد مصروفات مدرسية مرتفعة أو رسوم جمركية وضريبية كبيرة، بما يوسع دائرة المؤشرات المستخدمة.

 

في المقابل، تثير هذه المؤشرات سؤال العدالة حين تستخدم منفردة، لأن فاتورة هاتف مرتفعة قد ترتبط بالعمل، والسيارة قد تكون قديمة أو ممولة، والتعليم الخاص قد يستنزف الأسرة بدلا من إثبات قدرتها المالية.

 

وفوق ذلك، يعيد استخدام استهلاك الكهرباء في الاستبعاد تناقضا قديما، بعدما نفت جهات رسمية سابقا ارتباط العدادات الكودية بالحذف، وكانت وزارة التموين نفسها قد أعلنت عام 2019 إلغاء هذا المعيار بسبب مشكلاته التطبيقية.

وبحسب الخبيرة الاقتصادية سلوى العنترى، لعب دعم الغذاء دورا حاسما في كبح اتساع الفقر، وقدرت في دراسة سابقة أن غيابه كان سيرفع نسبة الفقراء من 20 إلى 30 بالمئة من السكان.

ومن جانبها، تمنح رؤية العنترى الأزمة بعدها الإنساني الحقيقي، لأن بطاقة التموين ليست امتيازا ترفيهيا يمكن تعطيله ثم مراجعته لاحقا، بل أداة تخفف ضغط الغذاء عن أسر قد لا تملك هامشا لتحمل خطأ إداري.

وهكذا، يصبح أي خلل في التنقية أشد قسوة من خطأ بيانات عادي، لأن نتيجته لا تتوقف عند ملف ناقص، بل تصل مباشرة إلى رغيف الخبز والزيت والسكر، أي إلى الحد الأدنى من أمن الأسرة الغذائي.

 

التظلم المفتوح لا يمحو كلفة القرار

 

أما وزارة التموين، فتقول إن باب التظلمات مفتوح أمام المستبعدين، وإن البطاقة تعاد إلى العمل عند تقديم مستندات تثبت عدم انطباق شروط الاستبعاد، مؤكدة أن التنقية تستهدف رفع الكفاءة وحماية المال العام.

 

بالتوازي، أتاحت الوزارة منذ 14 يونيو استكمال تحديث البيانات عبر منصة مصر الرقمية ثم التوجه إلى مكتب التموين بالمستندات، على أن تفحص المديريات الطلبات وتتخذ القرار، وفق الضوابط المعلنة لمراجعة حالات الاستبعاد.

 

غير أن فتح باب التظلم لا يلغي الضرر السابق عليه، فالمواطن قد يفقد حصته قبل أن يفهم السبب، ثم يتحمل كلفة جمع الأوراق والانتقال والانتظار، بينما يظل القرار الأصلي نافذا حتى تثبت براءته من معيار مبهم.

 

وعليه، تكشف الأزمة اختلالا في ترتيب المسؤولية، إذ كان يفترض أن تتأكد الدولة من صحة البيانات قبل قطع الدعم، لا أن تنقل عبء المراجعة إلى أسر محدودة الدخل وتعتبر التظلم علاجا كافيا لقرار آلي خاطئ.

 

علاوة على ذلك، أعادت الحكومة في عام 2019 نحو 1.8 مليون فرد إلى منظومة البطاقات بعد موجة استبعاد واسعة وتظلمات، وهو رقم يكشف أن أخطاء التنقية السابقة لم تكن حالات نادرة يمكن تجاهلها.

 

بناء على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن المعايير الحكومية قد لا تعبر بدقة عن حال المواطن، مستشهدا بفواتير الهاتف التي قد ترتفع لأسباب مهنية لا تعكس مستوى الدخل الحقيقي.

 

ومن ثم، فإن الحد الأدنى المطلوب هو إخطار مسبق واضح يحدد سبب الاستبعاد والبيانات المستند إليها، مع إتاحة مراجعة سريعة قبل وقف الصرف، بدلا من مفاجأة الأسرة أمام المخبز ثم دفعها إلى طابور التظلمات.

 

في المحصلة، لا يدور الغضب حول رفض تنقية الدعم من غير المستحقين، بل حول معايير قد تخلط بين الغنى والمؤشرات الشكلية، ونظام يبدأ بالعقوبة قبل التحقق، ووزارة تقدم التظلم بعد وقوع الضرر باعتباره ضمانة كافية.

 

وأخيرا، تضع دفعات الحذف الجديدة الحكومة أمام اختبار بسيط لكنه حاسم، فإما أن تثبت دقة بياناتها وتحمي المستحق قبل استبعاده، وإما أن يبقى باب التظلم شاهدا على منظومة تخطئ في المواطن ثم تطالبه بإصلاح خطئها.