أظهرت واقعة الاعتداء على طبيبة أسنان في محافظة القليوبية استمرار الخطر داخل المنشآت الصحية، رغم دخول قانون المسؤولية الطبية حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، لتعود أزمة أمن الأطباء إلى الواجهة بقوة.

 

وبالتالي، لم تعد الأزمة مجرد شجار داخل عيادة، بل دليل جديد على دولة تكتب القوانين ولا تضمن تطبيقها، وتترك الطبيب وحيدا بين غضب المريض وضعف التأمين وتآكل الثقة في الخدمة العامة.

 

كما أن المشهد الإنساني في الواقعة يتجاوز إصابات الطبيبة، لأنه يكشف طبيبا يعمل تحت ضغط مهني ونفسي دائم، ومريضا غاضبا من منظومة صحية مرتبكة، وسلطة تكتفي برد الفعل بعد الانفجار.

 

واقعة القليوبية تكسر وهم الحماية

 

لذلك، أعاد الفيديو المتداول لطبيبة القليوبية ملف الاعتداءات إلى صدارة النقاش العام، بعدما ظهرت آثار إصابات واضحة على وجهها وجسدها، وسط تعاطف واسع ومطالبات بمحاسبة المتورطين وحماية الأطقم الطبية.

 

ومن ثم، بدأت الواقعة بخلاف حول ضرس مخلوع من النفايات الطبية، وفق رواية أسرة الطبيبة، بعدما رفضت تسليمه التزاما بإجراءات مكافحة العدوى، قبل أن يتطور الموقف إلى اقتحام واعتداء وتلفيات.

 

غير أن رواية أخرى من ذوي المريضة تحدثت عن مشادة متبادلة داخل العيادة، وهو تضارب لا يلغي جوهر الأزمة، لأن أي خلاف طبي أو إداري لا يبرر تحويل العيادة إلى ساحة عنف.

 

علاوة على ذلك، تدخلت الأجهزة الأمنية وألقت القبض على عدد من الأشخاص من الطرفين، بينما باشرت النيابة التحقيقات، لكن السؤال الأهم يبقى حول الإجراءات التي منعت الاعتداء قبل وقوعه لا بعد انتشاره.

 

بناء على ذلك، تبدو الواقعة اختبارا حقيقيا لقانون المسؤولية الطبية، لأن النصوص المشددة تفقد قيمتها عندما يشعر الطبيب أن الحماية تبدأ بعد الإصابة، وأن الإنصاف ينتظر الضجة لا النظام.

 

في المقابل، تؤكد وزارة الصحة أن القانون يوفر إطارا تشريعيا لحماية مقدمي الخدمة، ويجرم الاعتداء على الأطقم الطبية والمنشآت الصحية، وهي رواية رسمية تصطدم بتكرار الوقائع داخل المستشفيات والعيادات.

 

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل أن علاقة الطبيب بالمريض أصبحت محملة بالغضب والشك، بسبب تراجع الخدمة وارتفاع التكلفة وضغط الانتظار، لكن تحميل الطبيب وحده ثمن انهيار المنظومة جريمة اجتماعية.

 

قانون مشدد وتنفيذ غائب

 

ومع ذلك، فإن قانون المسؤولية الطبية استحدث مواد لتجريم الاعتداء على الأطباء والمنشآت الصحية، وفق تصريحات وزير الصحة، كما عرف الخطأ الطبي والمضاعفات والخطأ الجسيم وأنشأ لجنة عليا للمسؤولية الطبية.

 

فضلا عن ذلك، تنص مواد القانون على عقوبات ضد إهانة أو تهديد أو الاعتداء على مقدمي الخدمة أثناء أداء عملهم، لكن النقابة اعتبرت بعض العقوبات غير كافية لتحقيق الردع الكامل.

 

وعليه، كتب الدكتور إيهاب الطاهر، الأمين العام السابق لنقابة الأطباء، أن عقوبات الاعتداء الواردة بالمشروع لا تحقق الردع المطلوب، خصوصا عندما تكون الغرامة بديلا عن الحبس في بعض الصور.

 

كذلك، ذكرت النقابة العامة للأطباء في توضيحاتها أن عقوبة الاعتداء عمدا على الأطباء قد تصل إلى الحبس أو الغرامة، لكنها قارنت ذلك بعقوبات أشد في دول أخرى.

 

ثم إن المشكلة لا تكمن في النص وحده، بل في سرعة تطبيقه، لأن المعتدي عندما يرى التسويات والضغوط الاجتماعية وتأخر المحاسبة، يدرك أن القانون قد يكون عنوانا قويا وأثرا ضعيفا.

 

ومن ناحية أخرى، يرى الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، أن ملف منع الاعتداءات على المنشآت والأطقم الطبية يجب أن يكون أولوية، إلى جانب تحسين أوضاع الأطباء داخل المنظومة الصحية.

 

في هذا السياق، تصبح الحماية جزءا من إصلاح أوسع، لأن الطبيب الذي يعمل بأجر مرهق، ونوبات طويلة، وتأمين ضعيف، لا يستطيع تقديم خدمة مستقرة وسط تهديد دائم من المرضى والمرافقين.

 

كما أن نقابة الأطباء أكدت في بيان سابق أن نقص أعداد الأطباء وضعف منظومة التأمين داخل المنشآت الصحية من الأسباب الرئيسية لتفاقم الاعتداءات، وهو تشخيص يذهب أبعد من العقوبة الجنائية.

 

الأمن الطبي بين الدولة والمجتمع

 

إضافة إلى ذلك، يرى الدكتور خالد أمين، الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، أن كرامة الطبيب وقيمة عمله جزء من احترام المهنة، وهو طرح يربط الاعتداءات بتراجع صورة الطبيب اجتماعيا وماديا.

 

ومن هنا، تبدو الأزمة نتيجة تراكم طويل من التحريض الضمني ضد الأطباء، حيث يتحول مقدم الخدمة إلى كبش فداء لفشل المستشفى، ونقص الدواء، وغضب المرافقين، وتكاليف العلاج المرتفعة.

 

على صعيد متصل، فإن ضعف تدريب أفراد الأمن داخل المنشآت الصحية يزيد احتمال الاشتعال، لأن التعامل مع مشاعر الخوف والغضب والحزن يحتاج بروتوكولا واضحا لا مجرد وجود شكلي عند البوابة.

 

لكن حماية الطبيب لا تعني إهدار حق المريض، فالمريض يحتاج مسارا واضحا للشكوى والتحقيق والتعويض عند الخطأ، بينما يحتاج الطبيب ضمانة تمنع الانتقام الفردي قبل أن تتدخل الجهات المختصة.

 

لزيادة الردع، يجب أن تعلن نتائج التحقيقات في الاعتداءات بوضوح، وأن تطبق العقوبات بسرعة، وأن تمنع الضغوط العرفية من إغلاق الملفات، لأن الإفلات المتكرر يصنع واقعة جديدة كل مرة.

 

وبالمقابل، تحتاج المنشآت الصحية إلى كاميرات فعالة، ونظام دخول للمرافقين، وغرف طوارئ مؤمنة، وتدريب على إدارة الأزمات، حتى لا يظل الطبيب في مواجهة مباشرة مع الانفعال والغضب.

 

لهذا، فإن واقعة القليوبية ليست حادثا منفصلا، بل إنذار بأن قانون المسؤولية الطبية قد يتحول إلى نص معلق إذا لم تصاحبه إرادة تنفيذ، وتأمين حقيقي، وتوعية مجتمعية صارمة.

 

وفي المحصلة، لا يمكن إصلاح العلاقة بين الطبيب والمريض بالعقوبات وحدها، بل بإصلاح المنظومة التي تجمعهما في لحظة ضعف، وتمنح كل طرف حقه دون عنف أو إهانة أو فوضى.

 

وأخيرا، إذا لم تتحول إصابات طبيبة القليوبية إلى نقطة مراجعة جادة، فسوف يبقى الطبيب المصري مطالبا بعلاج الناس داخل بيئة لا تعالجه من الخوف، ولا تحمي كرامته أثناء أداء واجبه.