بدأت الغرف التجارية في مصر مفاوضات مع تركيا لتصدير البيض، بعد فائض يقترب من 16 مليار بيضة سنويا داخل الأسواق، فانخفضت الأسعار، وتكبد المنتجون خسائر كبيرة، وظهر التحرك بعد اتساع الأزمة.

 

وبالتالي، لم تعد القضية مجرد انخفاض عابر في سعر كرتونة البيض، بل نموذج فاضح لإدارة تنتظر حتى ينهار المنتج، ثم تبحث عن منفذ خارجي بعدما يكون صغار المربين قد دفعوا الثمن.

 

كما أن الواقعة تكشف وجها إنسانيا قاسيا للأزمة، فالمزارع الذي لا يستطيع وقف دورة الإنتاج يجد نفسه مجبرا على البيع بأي سعر، بينما تتعامل السلطة مع خسارته كرقم مؤجل في دفتر السياسات.

 

لذلك، جاء الحديث عن التصدير إلى تركيا متأخرا، لأن الأزمة كانت واضحة منذ بدأ المعروض يتجاوز الاستهلاك، لكن غياب التخطيط حول الوفرة إلى عبء، وحول الاكتفاء الذاتي إلى مصدر نزيف.

 

ومن ثم، فإن فتح السوق التركية لا يمحو مسؤولية التأخر، ولا يغطي غياب منظومة تصريف وتصنيع وتخزين، لأن الدولة التي تفخر بالإنتاج مطالبة بإدارته قبل أن يتحول إلى كارثة سعرية.

 

غير أن عضو شعبة الدواجن سامح راضي أكد وجود مفاوضات مصرية تركية بشأن تصدير البيض، مشيرا إلى فتح أسواق جديدة وزيادة تنافسية المنتج المصري، وهي صياغة تبدو متفائلة فوق واقع مضطرب.

 

علاوة على ذلك، فإن تركيا لا تفتح أبوابها بلا شروط، إذ تشدد على خلو الواردات الحيوانية من الأوبئة، ومطابقة السلامة، وضبط التعبئة والتبريد، ما يجعل الملف اختبارا لجاهزية الدولة لا للخطاب فقط.

 

 

خسائر المنتجين قبل باب التصدير

 

بناء على ذلك، لم يكن انخفاض السعر هدية كاملة للمستهلك، لأن بيع الكرتونة بأقل من تكلفتها يعني أن المنتج يمول الفرحة المؤقتة من خسارته، ثم يعود السوق لاحقا ليفرض الغلاء على الجميع.

 

وفي المقابل، شكا مربون ومنتجو بيض من خسائر تصل إلى 65 جنيها في الكرتونة، مع خروجها من المزرعة بنحو 72 جنيها، بينما تباع للمستهلك في بعض السلاسل بين 100 و118 جنيها.

 

إلى جانب ذلك، تكشف هذه الفجوة بين المزرعة والرف التجاري عن خلل أعمق من زيادة الإنتاج، فالحلقات الوسيطة تظل قادرة على حماية هامشها، بينما يتحمل المنتج وحده كلفة الانهيار اليومي.

 

ومع ذلك، لا يستطيع مربو البيض تعطيل الإنتاج أو انتظار تحسن السوق، لأن الدواجن تواصل وضع البيض يوميا، وهو ما يدفع المنتج إلى البيع السريع خوفا من التلف وتراكم المخزون.

 

كذلك، قال أحمد نبيل، رئيس شعبة بيض المائدة، إن الإنتاج تجاوز الاستهلاك بنسبة بين 30% و40%، محذرا من أن استمرار الأسعار دون توازن يدفع مستثمرين ومربين إلى الخروج من السوق.

 

ثم إن الخروج الإجباري للمربين لا يعني نهاية الأزمة، بل بدايتها التالية، لأن نقص المعروض بعد تراجع الإنتاج سيقود إلى قفزات سعرية حادة، كتلك التي عاشها المواطن بين 2022 و2023.

 

ومن ناحية أخرى، تتحول سياسة الانتظار إلى عقوبة مزدوجة، فهي تترك المنتج ينهار وقت الوفرة، ثم تترك المستهلك يواجه موجة غلاء وقت النقص، بينما يغيب التخطيط عن المرحلتين.

 

 

شروط تركيا تكشف غياب الجاهزية

 

في هذا السياق، تبدو الشروط التركية مرآة قاسية لضعف الإدارة المحلية، لأن التصدير لا يقوم على فائض الإنتاج وحده، بل على شهادات صحية، ومزارع آمنة، وسلاسل تبريد، ورقابة دقيقة على المتبقيات.

 

فضلا عن ذلك، فإن أي تفاوض جاد يحتاج ملفا فنيا متكاملا يثبت خلو المزارع من إنفلونزا الطيور ومرض نيوكاسل، ويثبت سلامة المنتج من المضادات والملوثات، لا مجرد رغبة في تصريف الأزمة.

 

ومن هنا، يظهر البيض المجفف كخيار أكثر واقعية من البيض الطازج، لأن مدة صلاحيته بين 12 و24 شهرا، كما أن نقله وتخزينه أسهل للشركات الغذائية ومصانع الحلويات في تركيا.

 

إلا أن الاتجاه إلى مسحوق البيض يطرح سؤالا أشد حرجا، لماذا تأخر الاستثمار في التصنيع الغذائي رغم تكرار الأزمات، ولماذا ظل المنتج الطازج رهينة السوق اليومي بدلا من تحويله إلى قيمة مضافة.

 

وعلى صعيد متصل، أشار محمود العناني، رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، إلى تحركات تصديرية وإعداد عروض تفصيلية لأسواق خارجية، وهو ما يؤكد أن القطاع يملك قدرة، لكنه يحتاج سياسة ثابتة.

 

وبينما تتحرك الاتحادات والغرف بعد اشتداد الخسائر، يبقى السؤال عن دور الحكومة في بناء مسار دائم للتصدير، لا مسار طوارئ يبدأ فقط عندما يصرخ المنتجون من نزيف الأسعار.

 

 

فوضى السوق وغياب الدولة العادلة

 

في المقابل، حذر عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن، من أن الانخفاض الحاد في أسعار الدواجن وبيض المائدة يهدد استدامة الصناعة، وهو تحذير يكشف أن الأزمة لم تعد تجارية محدودة.

 

ومع ذلك، لا يظهر في المشهد سعر عادل يحمي المنتج والمستهلك معا، فالمطلوب ليس رفع الأسعار بلا ضابط، ولا تركها تنهار، بل إدارة توازن تمنع الخسارة الجبرية وتكبح المضاربة والتلاعب.

 

لهذا، تبدو الأزمة سياسية بقدر ما هي اقتصادية، لأن الغذاء لا يدار بمنطق رد الفعل، ولا يجوز أن يترك المنتج الصغير وحيدا أمام الأعلاف والدولار والوسطاء ثم يلام عند الخروج.

 

كما أن ارتفاع تكلفة الأعلاف المستوردة، التي تشكل بين 90% و95% من تكلفة الإنتاج، يجعل أي انخفاض غير محسوب في سعر الكرتونة ضربة مباشرة لهامش البقاء داخل المزارع.

 

وبناء على ذلك، فإن التحرك نحو تركيا يجب أن يكون بداية محاسبة لا مادة دعائية، لأن فتح الأسواق الخارجية بلا إصلاح داخلي سيجعل الأزمة تتكرر مع كل دورة إنتاج وكل موجة عرض.

 

وفي النهاية، لا ينقذ قطاع البيض إعلان تفاوض متأخر، بل منظومة كاملة تبدأ من الأعلاف والرقابة والتسعير العادل، وتنتهي بالتصدير والتصنيع، حتى لا يتحول الاكتفاء الذاتي إلى فخ جديد للمنتجين.