أصدر رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، قراراً بحظر دخول رعايا السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال إلى الأراضي الليبية عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، في خطوة تضيف طبقة جديدة من القسوة إلى ملف الهجرة واللجوء في بلد تمزقه الانقسامات السياسية وتتحكم فيه خرائط النفوذ الأمني والعسكري.

 

ويأتي القرار رقم 113 لسنة 2026 في لحظة تشهد فيها مناطق شرق ليبيا وجنوبها حملات أمنية واسعة ضد المهاجرين غير النظاميين، بينما يهرب كثيرون من الحروب والفقر والانهيار في السودان والقرن الأفريقي، ليجدوا أنفسهم أمام سياسة جماعية لا تفرّق بين مهاجر اقتصادي ولاجئ محتمل وضحية تهريب.

 

حظر جماعي بلا أسباب معلنة

 

نص القرار على منع دخول مواطني السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال إلى ليبيا من جميع المنافذ، مع استثناء أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية وأسرهم، إضافة إلى العاملين في التعليم والمهن الطبية والطبية المساعدة بشرط الحصول على الموافقات اللازمة وعقود العمل المعتمدة.

 

لكن القرار لم يقدم تفسيراً واضحاً لأسبابه، ولم يعلن ما إذا كان يستند إلى اعتبارات أمنية محددة أو تقديرات اقتصادية أو ترتيبات إدارية، وهو غياب خطير في ملف يمس حياة آلاف البشر، ويمنح الأجهزة التنفيذية مساحة واسعة للتأويل والتشدد.

 

الأخطر أن القرار لا يقتصر على منع الدخول مستقبلاً، بل يكلّف وزارة الداخلية بالتنسيق مع الجهات المعنية لتنفيذ إجراءات ترحيل حاملي الجنسيات الأربع الموجودين داخل ليبيا من دون إقامات سارية، بما يفتح الباب أمام حملات توقيف وترحيل واسعة.

 

وفي بلد مثل ليبيا، حيث تتداخل السلطات الرسمية مع القوى الأمنية المحلية وشبكات التهريب، يصبح الحديث عن الترحيل الفوري محفوفاً بمخاطر كبيرة، خصوصاً إذا لم تصاحبه ضمانات قانونية تسمح بفحص أوضاع طالبي اللجوء والضحايا المحتملين للاتجار بالبشر.

 

ويكشف القرار عن منطق أمني جماعي يتعامل مع جنسيات كاملة باعتبارها مشكلة، لا مع أفراد لكل منهم ظروفه القانونية والإنسانية، وهو منطق يزيد هشاشة المهاجرين بدلاً من معالجة شبكات الاستغلال والتهريب التي صنعت الأزمة واستفادت منها.

 

ليبيا بين الانقسام والهجرة

 

وتواجه ليبيا منذ سنوات تدفقات كبيرة من المهاجرين غير النظاميين، بسبب موقعها الجغرافي على الطريق نحو أوروبا، وبسبب الانقسام السياسي الذي جعل الحدود والموانئ والمناطق الصحراوية فضاءات مفتوحة أمام شبكات تهريب البشر والعمل القسري والاحتجاز غير القانوني.

 

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود 939638 مهاجراً في ليبيا خلال نوفمبر وديسمبر 2025، موزعين على 100 بلدية، وكانت أكبر المجموعات من السودان والنيجر ومصر وتشاد ونيجيريا، مع تركز واسع في طرابلس وبنغازي ومصراتة.

 

هذا الرقم يوضح حجم الضغط، لكنه لا يبرر تحويل المهاجرين إلى كبش فداء، فالأزمة الليبية ليست ناتجة عن وجود السوداني أو الإريتري أو الإثيوبي أو الصومالي فقط، بل عن دولة منقسمة ومؤسسات ضعيفة وحدود تستغلها شبكات الجريمة المنظمة.

 

كما أن الحرب في السودان منذ أبريل 2023 دفعت أعداداً كبيرة إلى الفرار نحو دول الجوار ومنها ليبيا، بحثاً عن مأوى أو عمل أو ممر إلى مكان أكثر أمناً، ما يجعل أي سياسة ترحيل جماعي محتملة شديدة الخطورة إن أعادت الناس إلى دوائر الحرب أو الاضطهاد.

 

وفي الشرق والجنوب، حيث تسيطر الحكومة المكلفة من مجلس النواب وحلفاؤها، تتخذ السلطات خطاباً أكثر تشدداً تجاه الهجرة، في سياق حملات أمنية متكررة تستهدف الوجود غير النظامي، لكنها كثيراً ما تصيب الضعفاء وتترك البنية العميقة للتهريب قائمة.

 

وتحول هذا الملف أيضاً إلى ورقة سياسية داخلية، إذ تستخدمه السلطات المختلفة لإظهار السيطرة وفرض الحضور الأمني، بينما يدفع المهاجرون واللاجئون الثمن داخل مراكز الاحتجاز، أو في الصحراء، أو على قوارب الموت في المتوسط.

 

ترحيل الضعفاء لا يهزم التهريب

 

ولا يمكن فصل قرار حماد عن المزاج الإقليمي والدولي المتشدد تجاه الهجرة، خصوصاً مع الضغوط الأوروبية المتزايدة لوقف عبور المهاجرين من السواحل الليبية، وهي ضغوط تجعل السلطات المحلية تتصرف كحارس حدود بالنيابة عن أوروبا أحياناً.

 

وقد اتهمت منظمة العفو الدولية الاتحاد الأوروبي بالتواطؤ في موجة جديدة من القمع ضد المهاجرين واللاجئين في ليبيا، بعد حملات اعتقال جماعية وعمليات طرد وإخلاء قسري طالت مهاجرين ولاجئين، وبينهم فارون من الحرب في السودان.

 

هذه الاتهامات تكشف أن المشكلة ليست ليبية فقط، بل هي جزء من منظومة أوسع تدفع بالمهاجرين بعيداً عن الشواطئ الأوروبية، حتى لو انتهى بهم الأمر في مراكز احتجاز سيئة السمعة أو في صحراء مفتوحة بلا حماية.

 

وفي يونيو 2026، غرق قارب مهاجرين قبالة السواحل الشرقية الليبية، وسقط عشرات القتلى والمفقودين، في مشهد يلخص فشل المقاربة الأمنية وحدها؛ فكلما أغلقت الطرق القانونية، ازداد اعتماد الناس على المهربين والقوارب الهشة والرحلات القاتلة.

 

ولذلك فإن منع أربع جنسيات كاملة من الدخول لن يوقف الهجرة، بل قد يدفعها إلى مسارات أخطر وأكثر سرية، ويزيد أرباح المهربين، ويجعل الضحايا أقل قدرة على طلب المساعدة خوفاً من الاعتقال والترحيل.

 

كما أن استثناء الأطباء والمعلمين يكشف حاجة ليبيا نفسها إلى العمالة والخبرات، لكنه يرسخ في الوقت ذاته منطق الانتقاء النفعي، حيث تقبل السلطات من تحتاجه وتطرد من تراه عبئاً، متجاهلة البعد الإنساني والحماية القانونية.

 

المطلوب ليس فتح الحدود بلا ضوابط، بل بناء سياسة هجرة واضحة تحترم القانون وتفرّق بين المهاجر واللاجئ وضحية الاتجار، وتضع آليات مراجعة فردية، وتضمن حق الطعن، وتمنع الترحيل إلى أماكن قد يتعرض فيها الأشخاص للخطر.

 

أما تحويل القرار إلى حملات أمنية مفتوحة فسيزيد الانتهاكات، ويدفع مزيداً من المهاجرين للاختفاء، ويمنح شبكات التهريب فرصة جديدة للتحكم في المصائر، بينما تبقى ليبيا نفسها ساحة عبور مضطربة لا تملك مؤسسات موحدة لإدارة الأزمة.

 

في النهاية، يكشف قرار حماد عن مأزق أوسع من حظر دخول أربع جنسيات؛ إنه مأزق دولة منقسمة تحاول إدارة الهجرة بالعقاب الجماعي، ومأزق إقليمي ودولي يرى في المهاجر مشكلة أمنية لا إنساناً هارباً من حرب أو فقر أو اضطهاد.