شهد جنوب لبنان تصعيدًا أمنيًا جديدًا بعد ساعات فقط من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي قيل إنها تتضمن وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات المرتبطة بالنزاع الإقليمي، بما فيها الساحة اللبنانية.

 

فقد قُتل مواطن لبناني وأصيب آخر بجروح خطيرة إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارة عند مستديرة كفرتبنيت – أرنون في قضاء النبطية، فيما أفادت تقارير ميدانية أخرى بشن غارات إضافية على بلدات جنوبية بينها حداثا وزبدين.

 

ويُعد هذا الهجوم أول عملية عسكرية إسرائيلية تُسجل منذ الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة بشأن إمكانية ترجمة الاتفاق إلى تهدئة فعلية على الأرض اللبنانية.

 

الجنوب اللبناني تحت النار رغم الحديث عن إنهاء الحرب

 

لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية عند استهداف السيارات والمناطق السكنية، إذ أفادت مصادر ميدانية بتعرض بلدات عدة لقصف مدفعي وغارات متفرقة، إلى جانب إلقاء قنابل صوتية قرب تجمعات مدنية في بعض القرى الحدودية، ما أدى إلى وقوع إصابات بين السكان.

 

كما أعلن الجيش اللبناني وفرق الإسعاف استمرار عمليات الوصول إلى المناطق المستهدفة وانتشال الضحايا، في ظل أوضاع ميدانية معقدة وصعوبات تواجه حركة الإنقاذ في بعض المناطق الجنوبية.

 

ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه بيروت أن الاعتداءات الإسرائيلية تمثل خرقاً واضحاً لمبدأ التهدئة الذي يفترض أن يكون جزءاً من المرحلة الجديدة التي أعقبت التفاهم بين واشنطن وطهران.

 

حصيلة ثقيلة للحرب.. آلاف القتلى والجرحى وموجات نزوح واسعة

 

خلفت الحرب الدائرة في لبنان منذ تصاعد العمليات العسكرية خلال شهر مارس الماضي خسائر بشرية وإنسانية ضخمة.

 

ووفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية، فقد أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن مقتل 3884 شخصاً وإصابة 11856 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص من مناطقهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي يشهدها لبنان منذ سنوات.

 

وتعكس هذه الأرقام حجم الدمار الذي أصاب العديد من المناطق اللبنانية، خصوصاً في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تعرضت أحياء كاملة لقصف مكثف أدى إلى تدمير بنى تحتية ومرافق حيوية ومنازل سكنية.

 

الاتفاق الأمريكي الإيراني يضع لبنان في قلب الترتيبات الجديدة

 

جاءت التطورات الميدانية بالتزامن مع دخول مذكرة التفاهم التي وقعها إلكترونياً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان حيز التنفيذ.

 

وبحسب ما أُعلن، تهدف المذكرة إلى وقف الحرب بين واشنطن وطهران وتهيئة الظروف لمرحلة جديدة من المفاوضات تمتد لستين يوماً، على أن تشمل جهود التهدئة مختلف الساحات المرتبطة بالصراع، ومن بينها لبنان.

 

وأكدت طهران مراراً أن الملف اللبناني كان جزءاً أساسياً من التفاهم، فيما أشار مسؤولون إيرانيون إلى أن إنهاء الحرب في لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية يمثلان أحد البنود الرئيسية المطروحة ضمن الاتفاق.

 

لكن الغارات الإسرائيلية الأخيرة بدت وكأنها اختبار مبكر لقدرة الاتفاق على الصمود أمام التعقيدات السياسية والعسكرية القائمة في المنطقة.

 

خلاف إسرائيلي أمريكي حول مستقبل الوجود العسكري في لبنان

 

في المقابل، كشفت تقارير إسرائيلية وأمريكية عن تزايد الخلافات بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مستقبل الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.

 

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين كبار أن تل أبيب تخوض مفاوضات وصفت بالصعبة مع واشنطن حول بقاء قواتها داخل الأراضي اللبنانية، وسط ضغوط أمريكية متزايدة تدعو إلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي لا تزال تسيطر عليها القوات الإسرائيلية في الجنوب.

 

وترى الإدارة الأمريكية أن تثبيت التهدئة يتطلب انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من المناطق اللبنانية التي احتلتها خلال العمليات الأخيرة، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لمنع اندلاع مواجهة جديدة على الحدود.

 

نتنياهو يتمسك بشرط نزع سلاح حزب الله

 

ورغم الضغوط الأمريكية، أبدت الحكومة الإسرائيلية تمسكاً واضحاً بمواقفها.

 

فقد نقلت مصادر مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه أبلغ الإدارة الأمريكية بأن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في جنوب لبنان ما لم يتم نزع سلاح حزب الله بصورة كاملة.

 

وتعتبر تل أبيب أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تتضمن ضمانات تمنع عودة الحزب إلى المناطق القريبة من الحدود، بينما يرى الجانب اللبناني أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأي جزء من الأراضي اللبنانية يمثل عقبة أمام أي تسوية دائمة.

 

مخاوف إسرائيلية من ضغوط أمريكية متزايدة

 

وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى وجود قلق متزايد داخل المؤسسات السياسية والعسكرية من احتمال تصاعد الضغوط الأمريكية خلال الأسابيع المقبلة.

 

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن سيناريوهات قد تشمل تأخير بعض شحنات الأسلحة أو فرض قيود على التعاون العسكري إذا استمرت حكومة نتنياهو في رفض المطالب الأمريكية المتعلقة بالانسحاب من جنوب لبنان.

 

كما تتزايد المخاوف داخل الأوساط الإسرائيلية من أن يؤدي الاتفاق الأمريكي الإيراني إلى فرض واقع سياسي جديد يحد من الحركة العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسوريا، وهو ما تعتبره تل أبيب مساساً بمصالحها الأمنية.

 

خسائر إسرائيلية في الجنوب اللبناني

 

على الجانب العسكري، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد جنوده وإصابة 7 آخرين، بينهم ضباط كبار، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية إسرائيلية قرب بلدة الطيبة في جنوب لبنان.

 

ووفق الرواية الإسرائيلية، وقع الانفجار أثناء تحرك قوة تابعة للفرقة 36 ولواء جفعاتي في منطقة قريبة من نهر الليطاني، ما أدى إلى وقوع خسائر مباشرة في صفوف القوة.

 

عودة حذرة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

 

بالتوازي مع التطورات السياسية والعسكرية، بدأت بعض العائلات اللبنانية العودة تدريجياً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أسابيع من القصف المكثف.

 

ورغم عودة عدد من السكان وفتح بعض المحال التجارية أبوابها مجدداً، فإن حالة الحذر لا تزال تسيطر على المشهد، في ظل مخاوف من تجدد الغارات الإسرائيلية أو انهيار التفاهمات السياسية الجديدة.