مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

بحساب الربح والخسارة المالية تكون إيران أحد أبرز الرابحين من الحرب الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وقد تكون أكبر المستفيدين من الاتفاق المرتقب توقيعه يوم الجمعة مع الولايات المتحدة، ويتضمن، وفق التسريبات، إنهاء الحرب بصورة فورية ودائمة على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وبدء مفاوضات تستمر 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي يعالج القضايا النووية والأمنية والاقتصادية بين الطرفين، فوفق بنود الاتفاق فإن الولايات المتحدة ستكافئ إيران ماليًا، وقد تمنحها مزايا اقتصادية محتملة ضخمة وحوافز فورية ونهائية، مع التزام طهران بعدم السعي أبدًا لامتلاك سلاح نووي.

 

صحيح أن إيران تعرضت لخسائر بشرية واقتصادية ضخمة بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، وصحيح أنها شهدت دمارًا كبيرًا في بنيتها التحتية والعسكرية وقطاعات الطاقة والصناعة والبتروكيمياويات والصادرات والنقل، وصحيح أن خسائرها تقدّر بأكثر من 300 مليار دولار، لكنها في النهاية من المتوقع أن تحصد مزايا كبيرة من الاتفاق، سواء تعلقت بالعقوبات الاقتصادية أو إعادة أعمار ما هدمته الحرب الأخيرة، أو مستقبل أموالها المحبوسة في الخارج منذ سنوات طويلة، إذ تعهّدت واشنطن بالإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، والتي تقدّرها طهران بنحو 100 مليار دولار.

 

فالمسودة المسربة، وقد كشفت عنها وكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأميركية، تؤكد في بنودها ضمان حصول إيران على حوافز مالية واسعة النطاق كجزء من اتفاقها مع الولايات المتحدة، بما في ذلك الحق في بيع النفط والغاز ومشتقات الطاقة على الفور وبدون قيود، والحصول على إعفاءات لصادرات النفط الخام ومنتجات البتروكيماويات ومشتقاتها والأنشطة المرتبطة بها فور توقيع المذكرة، وتعهّد واشنطن بإعفاء النفط الإيراني والخدمات المصرفية المرتبطة به من العقوبات.

 

وعقب توقيع يوم الجمعة، ووفق التسريبات، سيُرفع الحصار البحري الأميركي عن إيران، وهو ما يعني تدفق ما يزيد عن 1.5 مليون برميل من النفط الإيراني يوميًا لأسواق العالم بلا قيود أو عقبات، واستئناف حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب من دون فرض رسوم على السفن المارة.

 

ووفق مذكرة التفاهم المقرر توقيعها غدًا فإنه فور التوقيع مباشرة ترفع الولايات المتحدة الحصار البحري وتمنع أي تدخل أو عرقلة ضد إيران، وتعيد حركة الملاحة خلال مدة أقصاها 30 يومًا إلى طاقتها الكاملة، على أن تكون حركة السفن متناسبة مع حجم حركة الملاحة قبل الحرب من جانب إيران. كذلك تتعهّد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المحيطة خلال 30 يومًا بعد الاتفاق النهائي.

 

وفي التفاصيل أيضًا تتعهد الولايات المتحدة مع شركائها، سواء الإقليميين في منطقة الخليج أو الدوليين كالأوروبيين ومجموعة السبع الصناعية، بوضع خطة شاملة يتفق عليها الطرفان لإعادة تأهيل إيران وتنميتها اقتصاديًا وتأهيل البنية التحتية والمناطق المهدمة وإصلاحها، مع ضمان تمويل لا يقل عن 300 مليار دولار. وستُصاغ آلية تنفيذ هذه الخطة كجزء من الاتفاق النهائي خلال 60 يومًا.

 

والأهم هو التزام الولايات المتحدة بإنهاء جميع أنواع العقوبات الاقتصادية وغيرها التي تواجهها إيران منذ سنوات طويلة، وفق جدول زمني يُتّفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأميركية الأحادية، الأساسية والثانوية.

 

في المحصلة فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا جميع الأهداف العسكرية المعلنة من الحرب على إيران، فالنظام الإيراني لم يسقط، والولايات المتحدة فشلت في فتح مضيق هرمز بالقوة، كما فشلت في إسقاط الاقتصاد الإيراني وتجفيف مصادر أمواله، وفشلت كذلك في حماية قواعدها العسكرية وحلفائها في المنطقة والمنشآت النفطية في منطقة الخليج، والأهم أن العمليات العسكرية التي قادتها واشنطن وتل أبيب لم تنجح في تفكيك المنشآت النووية الإيرانية أو السطو على اليورانيوم المخصب، أو تفكيك الجيش الإيراني وإعادة إيران إلى القرون الوسطى كما جرى مع العراق في عام 2003، وقد هدّد دونالد ترامب بذلك مرات عدة.

 

وفي المقابل فإن إيران قد تزيل بموجب الاتفاق المحتمل العقوبات المفروضة على اقتصادها وقطاعها النفطي، وستسترد الجانب الأكبر من أموالها المجمدة والمحجوزة في الخارج، كما ستحصل على تعهدات من الولايات المتحدة باحترام سيادتها وسلامتها الإقليمية، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية.

 

صحيح أن إيران تؤكد في الاتفاق مجددًا أنها لن تنتج أبدًا أسلحة نووية، واتفقت مع الولايات المتحدة على أن مصير المواد المخصبة وجميع القضايا الأخرى المتصلة بالبرنامج النووي، بما في ذلك احتياجات إيران النووية، ستُعالج بشكل مناسب في اتفاق نهائي، لكن جرى النص صراحة في الاتفاق على محافظة إيران على الوضع القائم في برنامجها النووي، ولن تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران أو تعزز قواتها في المنطقة، وذلك إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة.

 

ساعات تفصلنا عن توقيع الاتفاق بين واشنطن وطهران، والذي قد ينهي الحرب في المنطقة، وإلى حين التوقيع فإن كل الحوافز الأميركية المالية لإيران الواردة في النسخة المسربة من الاتفاق ومنها مبلغ الـ 300 مليار دولار تظلّ مجرد احتمالات وتكهنات قد تتحقق أو لا تتحقق، وعلينا الانتظار.