كشفت صحيفة “إل باييس” الإسبانية، في تقرير موسع، عن تصاعد المخاوف من تحويل ملف إعادة إعمار قطاع غزة إلى أداة سياسية وعمرانية لاستكمال مخطط تهجير الفلسطينيين، عبر فرض تصورات خارجية على القطاع ورفض البدائل الفلسطينية التي تراعي حق السكان في العودة إلى أحيائهم ومنازلهم ومخيماتهم المدمرة.

 

ونقلت الصحيفة، في التقرير الذي ترجمته “عربي21”، عن المهندس المعماري الإسرائيلي إيال وايزمان، مؤسس منظمة “فورنسيك آركيتكتشر”، قوله إن إسرائيل والولايات المتحدة لا تتعاملان مع إعادة إعمار غزة باعتبارها عملية إنقاذ إنساني، بل كجزء من هندسة استعمارية جديدة تهدف إلى إعادة تشكيل المكان والسكان معًا، بما يقضي على شروط الحياة الفلسطينية في القطاع.

 

وبحسب التقرير، فإن ما جرى في غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لا يقتصر على تدمير عسكري واسع، بل يمتد إلى ضرب الأسس المادية والاجتماعية والثقافية التي تسمح لأي جماعة بشرية بالبقاء، من مساكن ومستشفيات ومدارس وجامعات ومكتبات ودور عبادة وشبكات مياه وصرف وكهرباء وأراضٍ زراعية ومصادر غذاء.

 

وترى الصحيفة أن هذه الصورة تعيد إلى الواجهة المعنى الأصلي لمفهوم “الإبادة الجماعية” كما صاغه المحامي اليهودي البولندي رافائيل ليمكين، الذي لم يحصر الجريمة في القتل المباشر، بل ربطها أيضًا بتدمير الأسس الجوهرية لحياة الجماعات القومية، بما يجعل بقاءها داخل أرضها مستحيلًا أو مهددًا على المدى الطويل.

 

تدمير البنية وتحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة

 

أوضحت “إل باييس” أن الجزء الأكبر من قطاع غزة تحول، بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، إلى ركام واسع شمل المدن والمخيمات والقرى والمنشآت الصحية والتعليمية والدينية، فضلًا عن تدمير متعمد للبنية التحتية التي يعتمد عليها السكان في أبسط شروط الحياة اليومية.

 

ووفقًا للصحيفة، لم يكن دفع الفلسطينيين إلى مناطق ضيقة تحت مسمى “مناطق آمنة وإنسانية” حلًا لحمايتهم، بل شكل مرحلة أخرى من الأزمة، إذ تحولت هذه المناطق إلى جيوب مكتظة وقاحلة، تفتقر إلى المياه النظيفة والخدمات الطبية والصرف الصحي والمأوى الملائم، مع استمرار تعرضها للقصف والاستهداف.

 

ولفت التقرير إلى أن الجرافات الإسرائيلية لعبت دورًا رئيسيًا في طمس مساحات زراعية واسعة شرقي القطاع، وفي تدمير مناطق بكاملها مثل رفح وبيت حانون وجباليا، ما أدى إلى ضرب القدرة المحلية على إنتاج الطعام، وإضعاف فرص عودة السكان إلى أماكنهم بعد توقف العمليات العسكرية.

 

كما حذرت الصحيفة من الآثار البيئية بعيدة المدى للحرب، مشيرة إلى أن أنقاض المباني المدمرة تنضح بمواد كيميائية سامة تتسرب إلى التربة، في حين تخلف القنابل والمعادن الثقيلة، مثل الرصاص والزرنيخ وربما اليورانيوم، تلوثًا يستغرق عقودًا للتحلل، بما يحول أجزاء من القطاع إلى بيئة شديدة الخطورة على الإنسان.

 

وفي السياق نفسه، ربط التقرير بين تدمير الحقول وموارد المياه وقطاع الصيد وبين استهداف مقومات البقاء، معتبرًا أن حرمان السكان من الطعام والمياه والعمل والسكن لا يقل خطورة عن القصف المباشر، لأنه يدفعهم تدريجيًا نحو الموت البطيء أو الهجرة القسرية.

 

الخط الأصفر ومؤشرات احتلال دائم

 

ربطت الصحيفة بين أوامر الإخلاء التي أصدرتها إسرائيل في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما طالبت سكان مدينة غزة وشمال القطاع بالتوجه جنوبًا نحو الحدود المصرية، وبين المراحل اللاحقة التي جرى فيها تضييق المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين، ودفعهم إلى مناطق أكثر ازدحامًا وأقل قدرة على الحياة.

 

وبحسب التقرير، فإن رفض كثير من الفلسطينيين مغادرة الشمال خشية تكرار نكبة 1948، إلى جانب تشديد مصر الرقابة على حدودها مع غزة، دفع إسرائيل إلى اتباع سياسة مختلفة تقوم على حشر السكان داخل مساحات محدودة، مع تدمير المناطق المحيطة بهم لمنع العودة المستقبلية إلى البيوت والأحياء الأصلية.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 لم ينه السيطرة الإسرائيلية على القطاع، بل أسس لتقسيم غزة إلى منطقتين يفصلهما ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، حيث سيطر الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة القطاع، قبل أن تتوسع هذه السيطرة تدريجيًا في الأشهر التالية.

 

وفي هذا الإطار، كشفت منظمة “فورنسيك آركيتكتشر”، وفق ما أوردته الصحيفة، عن بناء سد ترابي جديد يمتد على طول الخط الأصفر، إلى جانب إنشاء مواقع عسكرية جديدة، بينها موقع أقيم فوق مقبرة، فضلًا عن تعبيد طرق وتمديد شبكات كهرباء وإنارة باتجاه هذه المواقع.

 

وترى الصحيفة أن هذه التحركات لا تبدو إجراءات مؤقتة مرتبطة بمرحلة انتقالية، بل مؤشرات على تثبيت واقع احتلال طويل الأمد، خصوصًا أن البنية العسكرية الجديدة تترافق مع استمرار عزل السكان في المنطقة الغربية الخاضعة لإدارة حماس، وسط مخيمات مكتظة وأنقاض ونفايات ومخاوف من انتشار الأوبئة وانهيار النظام الصحي.

 

كما أكد التقرير أن إسرائيل لا تزال تتحكم في تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وتستخدم هذا التحكم، بحسب قراءة الصحيفة، كأداة ضغط إضافية على السكان، بما يجعل الحياة اليومية مرتبطة بقرارات عسكرية وسياسية خارجية لا يملك الفلسطينيون قدرة فعلية على التحكم فيها.

 

مشاريع الإعمار الخارجية ورفض البدائل الفلسطينية

 

اعتبرت “إل باييس” أن مشاريع التطوير المطروحة لإعادة إعمار غزة لا تنفصل عن واقع التدمير، بل تستثمر فيه، إذ يجري تقديم القطاع باعتباره “موقع هدم” يمكن إعادة تصميمه من الصفر، وكأن سكانه الأصليين عقبة أمام المخططات العقارية والسياسية الجديدة.

 

وبحسب الصحيفة، فإن وصف الرئيس الأمريكي للقطاع بأنه “موقع هدم” يعكس جوهر هذه الرؤية، التي تفترض إخلاء المكان أولًا، ثم استبدال الوجود الفلسطيني بمشاريع استثمارية وسكنية وصناعية، بحيث تصبح أدوات التخطيط والهندسة امتدادًا لما بدأته الآلة العسكرية.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن جاريد كوشنر عرض، خلال منتدى دافوس، خرائط هندسية لما يسمى مشروع “شروق الشمس”، ضمن تصورات “مجلس السلام”، ويتضمن المخطط بناء عشرات الأبراج الفاخرة ومجمعات سكنية وصناعية، تفصلها طرق تسير وفق المسارات العسكرية التي شقها الجيش الإسرائيلي لتقسيم القطاع.

 

ولفت التقرير إلى أن “فورنسيك آركيتكتشر” رصدت أعمال بناء في منطقة شرقي رفح خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، قالت إن وثائق عسكرية أمريكية مسربة تربطها ببرنامج “المجتمعات الآمنة البديلة”، الذي يهدف إلى حشر عشرات الآلاف من الفلسطينيين داخل مجمعات محاطة بالأسوار ونقاط التفتيش البيومترية.

 

وتحذر الصحيفة من أن هذه المجمعات لا تمثل إعادة إعمار حقيقية، بل إدارة جديدة للتهجير، خاصة مع الحديث عن تقديم تسهيلات ومساعدات مالية للراغبين في الهجرة إلى الخارج، بما يحول الإعمار من حق جماعي للفلسطينيين إلى أداة لإعادة توزيع السكان بعيدًا عن أراضيهم.

 

في المقابل، أشارت “إل باييس” إلى إقصاء شبه كامل للمخططين والمعماريين الفلسطينيين الذين قدموا بدائل عملية، أبرزها “مبادرة فينيكس غزة” التي طرحتها رابطة البلديات بالتعاون مع خبراء من الداخل والخارج، وتقوم على تتبع الملكيات وإعادة بناء الأحياء والمخيمات بما يحفظ الهوية والنسيج الاجتماعي.

 

وتقوم المبادرة الفلسطينية، وفق التقرير، على إشراك السكان في إعادة البناء، وإيوائهم قرب منازلهم المدمرة، وإعادة إعمار جباليا ورفح وغيرها من المناطق بطريقة تحافظ على الذاكرة الوطنية وحق العودة المحلي، بدل تحويل غزة إلى مساحة استثمارية خاضعة لرؤية خارجية.

 

وخلصت الصحيفة إلى أن ما يجري في غزة يطابق، في أحد أوجهه، تصور ليمكين لجريمة الإبادة بوصفها عملية من مرحلتين: الأولى تدمير النموذج الوطني للجماعة المضطهدة، والثانية فرض نموذج جديد من قبل القوة المسيطرة على الأرض وما تبقى من سكانها. وبهذا المعنى، لا تصبح إعادة الإعمار نهاية للحرب، بل فصلًا آخر من فصولها إذا جرى فرضها من الخارج وعلى حساب الفلسطينيين.