تلقت وزارة الإسكان والمرافق، طلبًا بوضع خطة عاجلة لأزمة السكن في رأس غارب بمحافظة البحر الأحمر، بعد قفزات الإيجارات وندرة الوحدات، بما حاصر الشباب والأسر داخل سوق لا يناسب دخولهم.

 

وتكشف الأزمة تناقضًا قاسيًا في مدينة تمثل مركزًا مهمًا للبترول والطاقة، إذ تجني الدولة قيمة اقتصادية من موقعها وشركاتها، بينما يواجه أبناؤها عجزًا عن الحصول على شقة مناسبة، ويدفعون ثمن غياب التخطيط السكني العادل.

 

مدينة الطاقة بلا مساكن تكفي أبناءها

 

وأوضحت مقدمة الطلب النائبة مروة بريص، عضو مجلس النواب، أن مدينة رأس غارب أزمة سكن طاحنة بسبب فجوة واضحة بين دخول الأسر وأسعار الوحدات، حيث أصبح البحث عن شقة مناسبة عبئًا يوميًا على الشباب، بعدما تحولت الإيجارات إلى رقم يفوق قدرة كثير من المواطنين.

 

وترتبط خطورة الأزمة بموقع المدينة نفسها، لأنها ليست منطقة هامشية بعيدة عن التنمية، بل مدينة اقتصادية مرتبطة بقطاعات البترول والطاقة والأنشطة المصاحبة، ومع ذلك لا يجد أبناؤها برنامج إسكان يناسب احتياجاتهم الفعلية.

 

وبحسب الأهالي، أدى التدفق المستمر للمغتربين العاملين في شركات البترول المحيطة إلى ضغط كبير على سوق عقاري محدود أصلًا، فارتفعت الإيجارات بصورة قياسية، وتراجعت فرص أبناء المدينة في الحصول على شقق قريبة ومناسبة.

 

وفي هذا السياق، يخدم طرح الباحث يحيى شوكت، مدير وحدة سياسات السكن بمرصد العمران، جوهر الأزمة، لأنه يرى أن مشكلة الإسكان في مصر لا تتعلق بالبناء فقط، بل بتوزيع السكن والقدرة الفعلية على تحمل تكلفته.

 

لذلك لا تكفي الإشارة إلى عدد الوحدات على الورق، لأن أزمة رأس غارب تكمن في غياب وحدات متاحة بسعر يناسب محدودي ومتوسطي الدخل، وفي سوق يترك الشقق لمن يدفع أكثر لا لمن يحتاج السكن أكثر.

 

كما تكشف الأزمة فشلًا في ربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية، لأن توسع نشاط البترول والطاقة رفع الطلب على السكن، بينما لم تواكبه الدولة بمشروعات إسكان اجتماعي ومتوسط مخصصة لأبناء المدينة والعمالة المحلية.

 

الإيجارات تبتلع الدخل وتؤجل الزواج

 

تقول النائبة مروة بريص إن تكلفة السكن أصبحت تستحوذ على نسبة كبيرة من دخول المواطنين في رأس غارب، وإن الأزمة باتت تحديًا حقيقيًا أمام الشباب الراغبين في الزواج وتكوين أسر مستقرة داخل مدينتهم.

 

وبناء على ذلك، لم تعد أزمة السكن مجرد مشكلة عقارية، لأنها أصبحت تضرب قرارات الحياة الأساسية، من الزواج إلى الاستقرار المهني، وتجبر الأسر على تأجيل خطط أبنائها أو تحمل ديون وإيجارات تفوق طاقتهم.

 

وتؤكد شكاوى الشباب أن ندرة الشقق وارتفاع أسعار العقارات يدفعان بعضهم إلى العزوف عن الزواج، بينما يتحمل أولياء الأمور ضغوطًا نفسية ومعيشية متزايدة، في محاولة لتوفير مقدم سكن أو إيجار لا يتوقف عن الزيادة.

 

ومن زاوية الحق في السكن، تدعم منال الطيبي، مؤسسة المركز المصري للحق في السكن، هذا المحور، إذ شددت سابقًا على أن الدولة يجب أن تمنع المضاربة على الأراضي وتضع تشريعات تحقق توازنًا في السوق العقاري.

 

وهنا تبدو رأس غارب مثالًا واضحًا على سوق غير متوازن، لأن الطلب القادم من عمالة الشركات يزاحم السكان الأصليين، بينما تغيب الرقابة الكافية على الزيادات غير المبررة، وتترك الدولة الأسر تحت رحمة العرض المحدود.

 

كذلك يدفع غياب البدائل بعض الكفاءات من أبناء المدينة إلى التفكير في الهجرة لمدن أخرى، بحثًا عن سكن أسهل أو تكلفة أقل، وهو ما يحرم رأس غارب من شبابها رغم احتياجها إلى قوة بشرية مستقرة.

 

ومع استمرار هذه الحلقة، يصبح ارتفاع الإيجارات عامل طرد اجتماعي داخل مدينة يفترض أنها جاذبة للعمل، لأن الوظائف المرتبطة بالطاقة لا تكفي وحدها إذا عجز العامل أو الشاب عن العيش قرب عمله وأسرته.

 

مطالب عاجلة وحكومة مطالبة بإسكان استثنائي

 

طالبت النائبة مروة بريص وزارة الإسكان بإعداد حصر شامل للاحتياجات السكنية الفعلية في رأس غارب، وإعلان برنامج زمني واضح للتوسع في مشروعات الإسكان الاجتماعي والمتوسط، بما يتناسب مع حجم الطلب المتزايد داخل المدينة.

 

كما طالب الأهالي بتخصيص مشروعات إسكان اجتماعي بشروط ميسرة لأبناء المدينة، وتشكيل لجنة لفحص التظلمات الإسكانية، وتخصيص أراض جديدة للتوسع العمراني، بدل ترك الشباب ينتظرون حلولًا فردية داخل سوق متضخم.

 

إلى جانب ذلك، طرح الأهالي مقترحًا عمليًا لإنشاء استراحات سكنية حكومية لعمال وموظفي شركات البترول الوافدين، حتى لا تتحول العمالة المؤقتة إلى ضغط دائم على الشقق السكنية المخصصة للأسر المحلية.

 

وفي هذا الإطار، يقدم الباحث العمراني ديفيد سيمز زاوية مهمة، لأنه انتقد سياسات التوسع العمراني التي تركز على مشروعات كبرى ومضاربات عقارية، بينما تبقى أزمة السكن الحقيقي مرتبطة بقدرة المواطنين على الوصول إلى وحدات مناسبة.

 

لذلك تحتاج رأس غارب إلى مشروع استثنائي لا يكرر نماذج الإسكان البعيدة أو غير المناسبة للدخول، بل يربط الأرض المتاحة بالاحتياج المحلي، ويضع أولوية واضحة للشباب والأسر محدودة ومتوسطة الدخل من أبناء المدينة.

 

كذلك يجب أن تراجع وزارة الإسكان ومحافظة البحر الأحمر المخطط العمراني للمدينة، وأن تحدد المعوقات التي تمنع التوسع، لأن استمرار الأزمة معناه أن النشاط الاقتصادي يجذب عمالة، بينما التخطيط الرسمي يترك السكان في اختناق سكني.

 

وفي النهاية، لا تختبر أزمة رأس غارب قدرة الحكومة على إصدار بيانات جديدة، بل تختبر قدرتها على حماية حق السكن في مدينة تنتج الطاقة للبلد، بينما يعجز شبابها عن تأجير شقة والزواج والبقاء داخل مدينتهم.