كشفت شكاوى أهالي وصيادي الشخلوبة في مركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ عن تفاقم التلوث في بحيرة البرلس بسبب مصرف 9 والمصارف المحيطة، ما يهدد الثروة السمكية ومصدر رزق آلاف الأسر المرتبطة بالصيد.
وتضع الأزمة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن ترك جزيرة تملك قيمة سياحية وبيئية واقتصادية تحت ضغط الصرف غير المعالج وضعف الخدمات وغياب الحماية، بينما يتحمل الصياد الصغير ثمن تلوث لم يصنعه وتعديات لا يملك وقفها.
مصرف 9 يحاصر رزق الصيادين في بحيرة البرلس
تقع جزيرة الشخلوبة في قلب بحيرة البرلس بمركز سيدي سالم، وتعرف باسم «فينيسيا مصر» بسبب طبيعتها المائية وبيوتها القديمة وحلقات بيع الأسماك التي ارتبطت بتاريخ الصيد في المنطقة.
لكن هذه الصورة السياحية تخفي أزمة يومية يعيشها الصيادون، إذ يعتمد سكان القرية المحيطة بالجزيرة على البحيرة كمصدر رزق أساسي، بينما يتراجع المخزون السمكي مع استمرار تدفق الملوثات إلى المياه.
وبحسب شكاوى الأهالي، يأتي مصرف 9 في مقدمة مصادر التلوث التي تضغط على البحيرة، حيث تصب المصارف المحيطة مياه صرف صحي وصناعي غير معالجة، فتتحول المياه إلى مصدر سموم يهدد الأسماك والإنسان.
نتيجة لذلك، تتراجع كميات الأسماك الحرة داخل البحيرة، ويزداد نفوقها في مناطق التلوث، ثم ينعكس ذلك مباشرة على دخل الصياد اليومي الذي لا يملك بديلا مهنيا آمنا خارج القارب والشباك.
وفي هذا السياق، يخدم رأي الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، محور التلوث، لأنه يربط حماية الثروة السمكية بمعالجة المصارف قبل وصولها إلى البحيرات لا بعد تدمير دورة الحياة فيها.
لذلك لا تبدو مشكلة الشخلوبة في نقص الجمال الطبيعي أو ضعف الإمكانات، بل في ترك مورد عام يتلقى الصرف والملوثات، ثم مطالبة الصيادين بالصبر على انهيار رزقهم تحت شعار التطوير المؤجل.
كما أن بحيرة البرلس ليست مجرد مساحة مياه محلية، فهي من أهم الأراضي الرطبة في مصر، وتستقبل طيورا مهاجرة وتنتج أسماكا لأسواق واسعة، ما يجعل تلويثها خسارة بيئية وغذائية واقتصادية.
ومن هنا، يصبح الحديث عن سياحة اليوم الواحد ناقصا إذا كانت القوارب تمر فوق مياه ملوثة، وإذا كان الزائر يرى جمال الجزيرة بينما يعيش أهلها الخوف من يوم لا تعود فيه الشباك بما يكفي.
التعديات والصيد الجائر يفرغان البحيرة من ثروتها
إلى جانب التلوث، يواجه الصيادون الصغار ضعفا واضحا في الرقابة على البحيرة، وهو ضعف يفتح الباب أمام تعديات ومزارع سمكية غير قانونية تلتهم مساحات من المياه وتعيد توزيع الرزق لصالح الأقوى.
ثم تضاعف ظاهرة الصيد الجائر الأزمة، خصوصا مع استخدام شباك مخالفة وصيد الزريعة قبل اكتمال نموها، وهو ما يفرغ البحيرة تدريجيا من الأسماك الكبيرة ويحرم الصياد البسيط من عائد مستقر.
وبسبب ذلك، لا تعود المشكلة بيئية فقط، بل تصبح أزمة عدالة داخل البحيرة، لأن من يملك النفوذ أو أدوات المخالفة يحصد المكسب السريع، بينما يدفع الصياد القانوني ثمن تراجع الإنتاج وغياب الحماية.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، قضية إدارة المياه، لأن أي بحيرة تحتاج توازنا بين التغذية والتطهير والحماية من التعديات لا قرارات متفرقة.
كذلك يؤدي انتشار المزارع المخالفة إلى تغيير طبيعة المساحات المائية، فيضيق مجال الصيد الحر، وتتحول البحيرة من مورد عام مفتوح للأهالي إلى مناطق نفوذ يصعب الاقتراب منها أو مساءلة أصحابها.
لذلك يجب أن تبدأ أي خطة إنقاذ للبرلس بإزالة التعديات ومراجعة أوضاع المزارع السمكية وتنظيم أدوات الصيد، لا بالاكتفاء بتجميل الصورة السياحية للجزيرة أو تقديم وعود موسمية عن التنمية.
كما أن استمرار صيد الزريعة يعني ضرب المستقبل لا الحاضر فقط، لأن السمكة التي تصاد مبكرا لا تعود إلى دورة الإنتاج، فينخفض المخزون وتتكرر الأزمة مع كل موسم صيد جديد.
وعلى هذا الأساس، يحتاج الصيادون إلى رقابة تحمي البحيرة منهم ولهم في الوقت نفسه، فتمنع أدوات الصيد المدمرة، وتغلق منافذ التلوث، وتضمن ألا يتحول ضعف الدولة إلى فرصة للمتنفذين.
جزيرة سياحية بلا خدمات وحماية كافية
بعيدا عن البحيرة نفسها، تعاني الشخلوبة من عجز في الخدمات الأساسية وتراجع المرافق، رغم أن موقعها وطبيعتها يؤهلانها لتكون مقصدا سياحيا واقتصاديا مهما داخل محافظة كفر الشيخ.
ورغم شهرتها باسم «فينيسيا مصر»، لا تزال الجزيرة بحاجة إلى بنية تحتية حقيقية تخدم الأهالي والزائرين، لأن السياحة لا تقوم على المنظر وحده، بل تحتاج طرقا وخدمات ونظافة وحماية واستثمارا يحترم السكان.
وفي هذا الموضع، يخدم رأي الباحث العمراني يحيى شوكت محور الخدمات، لأنه يربط العدالة العمرانية بحق المواطنين في الاستفادة من موارد أماكنهم، لا تحويل مواقعهم إلى واجهة جميلة بلا حقوق يومية.
كذلك تواجه الجزيرة ظواهر طبيعية متكررة، بينها ارتفاع منسوب مياه البحيرة وغمر أجزاء منها أحيانا، في ظل غياب الأسوار والحواجز الكافية التي تحمي البيوت والمنشآت من المياه عند تغير المناسيب.
وبالتوازي، يكشف نقص الحماية والخدمات أن الحكومة تتعامل مع الشخلوبة كصورة دعائية أكثر من كونها مجتمعا يعيش على حافة بحيرة، يحتاج صرفا آمنا ومرافق مستقرة وحواجز تمنع الغرق والتلف.
ومن ناحية اقتصادية، يمثل إهمال الجزيرة إهدارا لفرصة عمل محلية، لأن تطويرا حقيقيا كان يمكن أن يفتح أبواب السياحة البيئية ورحلات اليوم الواحد وخدمات القوارب والمطاعم الصغيرة دون طرد الصيادين من رزقهم.
ثم إن التنمية المطلوبة لا تعني تحويل الجزيرة إلى مشروع مغلق على أهلها، بل تعني تنظيف البحيرة وتأمين البيوت وتطوير المرافق وخلق دخل إضافي للسكان، مع حماية الصيد باعتباره أصل الحياة في المكان.
وأخيرا، تكشف الشخلوبة أن المشكلة ليست في غياب الإمكانات، بل في ترك مورد طبيعي وسياحي وصيدي تحت ضغط المصارف والتعديات ونقص الخدمات، حتى أصبحت «فينيسيا مصر» عنوانا جميلا فوق واقع مرهق.
وبهذا المعنى، لا يحتاج أهالي الشخلوبة إلى وعود جديدة عن التطوير، بل إلى وقف الصرف غير المعالج في البحيرة، ومحاسبة المتعدين، وحماية الصيادين، وخطة خدمات واضحة تجعل الجزيرة مكانا صالحا للحياة قبل التصوير.

