بينت جلسات مجلس النواب أزمة رقابية متكررة بسبب غياب وزراء ومسؤولين حكوميين عن مناقشة طلبات الإحاطة، بعدما تعطلت ملفات المعاشات والتأمينات وعمال مراكز الشباب والصرف الصحي والمحليات والبريد؛ لتظهر الحكومة كطرف يتهرب من مواجهة أزمات المواطنين.
وتتحمل الحكومة المسؤولية السياسية عن هذا الغياب؛ لأن طلب الإحاطة لا يخص النائب وحده، بل يخص مواطنًا ينتظر معاشًا، أو عاملًا يطلب حقه، أو قرية تنتظر خدمة، أو حيًّا ينتظر مرفقًا، وعندما يغيب المسؤول تتحول الرقابة إلى ورقة بلا رد.
غياب الوزراء يفرغ طلبات الإحاطة من معناها
تبدأ الأزمة من غياب الطرف الذي يملك القرار والمعلومة؛ لأن الوزير أو رئيس الهيئة هو المسؤول عن تفسير الأزمة وتقديم جدول زمني للحل، بينما لا يستطيع ممثل عام أو نائب مسؤول أن يجيب عن تفاصيل مالية وإدارية وخدمية تخص آلاف المواطنين.
وبسبب هذا الغياب، تتعطل طلبات الإحاطة داخل اللجان وتتحول من أداة رقابية عاجلة إلى ملف مؤجل، فيفقد المواطن فرصة سماع رد رسمي، ويفقد النائب قدرته على الضغط، وتكسب الحكومة وقتًا إضافيًا من دون أن تدفع ثمن التأجيل السياسي.
كما ظهر ذلك بوضوح في أزمة المعاشات والتأمينات، حين اعترض نواب لجنة القوى العاملة على غياب رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عن اجتماع مهم، واكتفت الهيئة بإرسال نائبه، بينما كان الملف يتعلق بأصحاب معاشات يعانون من أزمات معيشية مباشرة.
ثم جاء اعتراض النواب ليكشف خطورة الغياب، حيث رفض بعضهم مناقشة الطلبات من دون حضور رئيس الهيئة؛ لأن المشكلة لا تحتاج إلى مجاملة إدارية، بل تحتاج إلى مسؤول أول يملك صلاحية اتخاذ القرار، ويعرف تفاصيل الأرقام واللوائح والتأخير.
ويخدم رأي الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري، هذا المحور من زاوية أن الدور الرقابي لا يكتمل بكثرة الأدوات وحدها، بل يحتاج إلى استخدام منضبط وحضور حكومي فعلي؛ لأن الرقابة بلا مسؤول حاضر تتحول إلى إجراء شكلي لا ينتج محاسبة.
«محامي الحكومة» بديل عن الوزراء الغائبين
في ملف عمال مراكز الشباب والرياضة، تصاعد الغضب بسبب غياب أربعة وزراء ورئيس جهاز التنظيم والإدارة عن مناقشة ملف يخص 7582 عاملًا في مراكز الشباب والأندية، رغم أن الأزمة تشمل العمل والمالية والتخطيط والتنظيم الإداري، إلى جانب الشباب والرياضة.
وعندما دافع وزير الشباب والرياضة عن الوزراء الغائبين، وقال إن الحكومة تعمل كفريق واحد، بدا الخطاب كأنه محاولة لتغطية الغياب لا لحل الأزمة؛ لأن العامل الذي ينتظر تعيينًا أو تأمينًا لا يحتاج إلى شعار حكومي، بل يحتاج إلى قرار من الجهة المختصة.
بعد ذلك، توسعت الأزمة مع غياب وزير الصحة عن مناقشة اتفاقية منحة بقيمة 400 ألف دولار لإعداد دراسات استدامة منظومة معالجة مياه الصرف الصحي بمحطة أبو رواش، فخرجت الانتقادات داخل المجلس بسؤال واضح عن كيفية محاسبة الوزراء إذا لم يحضروا أصلًا.
لذلك تحول وزير شؤون المجالس النيابية في عيون النواب إلى «محامي الحكومة»؛ لأنه يحضر لتبرير الغياب وشرح الاعتذارات والتأكيد على التنسيق، بينما لا يملك وحده الرد الفني على أزمة معاش، أو عمالة، أو صرف صحي، أو مرفق محلي معطل.
ويربط الدكتور عمرو هاشم ربيع، الخبير في الشؤون البرلمانية، بين قوة الرقابة وحضور المسؤول التنفيذي أمام ممثلي الناس؛ لأن غياب الوزير يضعف جوهر العلاقة بين السلطة التنفيذية والمجلس، ويجعل الحكومة فوق السؤال بدل أن تكون طرفًا خاضعًا للمساءلة.
الأزمات الخدمية تدفع الثمن قبل النواب
في لجان الإدارة المحلية، تسبب غياب سكرتير عام محافظة شمال سيناء ومسؤولين تنفيذيين في تأجيل مناقشة طلبات إحاطة عن ملف الإسكان الآيل للسقوط، وهو ملف لا يحتمل المماطلة؛ لأن التأجيل هنا لا يؤخر نقاشًا فقط، بل يترك سكانًا أمام خطر يومي.
وبالمثل، تسبب غياب رئيس حي الأميرية عن مناقشة طلب إحاطة بشأن تباطؤ افتتاح مجمع بريدي في القاهرة في حالة استياء داخل لجنة الاتصالات؛ لأن الخدمة البريدية ليست تفصيلًا إداريًا، بل ترتبط بصرف مستحقات وخدمات يومية يحتاجها المواطنون في مناطقهم.
هكذا يظهر النمط نفسه في أكثر من قطاع، حيث يغيب المسؤول المختص، ثم يطلب النواب التأجيل أو يرفضون المناقشة، وبعدها تظل الأزمة في مكانها، في حين تخرج الحكومة من الجلسة بلا التزام محدد، وبلا موعد واضح، وبلا محاسبة حقيقية.
ومع تكرار المشهد، لا يعود الغياب ظرفًا طارئًا، بل يصبح أسلوب إدارة لعلاقة الحكومة بالمجلس؛ فالمسؤول يحضر عندما يريد، ويعتذر عندما يريد، ويترك وزيرًا آخر أو ممثلًا عامًا يتعامل مع غضب النواب من دون حل جوهري.
وتخدم قراءة الفقيه القانوني الدكتور محمد نور فرحات هذا المحور؛ لأنه يؤكد في كتاباته أن النصوص القانونية توضع لتطبق لا لتبقى في الأوراق، وهذا المعنى ينطبق على أدوات الرقابة التي يفترض أن تتحول إلى مساءلة لا إلى جدول مؤجل.
التصعيد الرقابي اختبار جدي لا تهديد إعلامي
مع تزايد الغياب، بدأ نواب يتحدثون عن خطوات تصعيدية تشمل رفض مناقشة طلبات الإحاطة في غياب المسؤولين، وتأجيل الاجتماعات حتى حضور الوزير أو رئيس الجهة، والانتقال إلى أدوات أشد مثل الاستجواب إذا تكرر التغيب أو استمرت الحكومة في عدم التعاون.
لكن هذه الخطوات ستبقى محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى قاعدة ملزمة؛ لأن الحكومة اعتادت امتصاص الغضب عبر الاعتذار والتنسيق، ثم تعود الأزمة نفسها في ملف آخر، بينما يظل المواطن هو الخاسر لأن مشكلته لا تصل إلى صاحب القرار.
كما أن الدستور واللائحة يمنحان النواب حق توجيه الأسيةلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء ونوابهم، ولذلك لا يجوز للحكومة أن تتعامل مع الحضور كمسألة بروتوكولية؛ لأن الحضور هنا جزء من الخضوع للمحاسبة العامة.
ومن هنا، يحتاج مجلس النواب إلى جدول إلزامي معلن لحضور الوزراء في الملفات المرتبطة بطلبات الإحاطة، مع رفض مناقشة أي أزمة خدمية في غياب المسؤول الأول؛ لأن المناقشة من دون صاحب القرار تمنح الحكومة فرصة للهروب باسم الشكل الإجرائي.
كذلك يجب أن يعلن المجلس للرأي العام أسماء الجهات التي تتكرر اعتذاراتها؛ لأن المواطن من حقه أن يعرف الوزير أو المسؤول الذي يتأخر عن الرد على أزمته، ومن حقه أن يرى أثر الغياب على المعاش والعمل والإسكان والصرف والخدمات.
وفي النهاية، لا تكمن الأزمة في كرسي فارغ داخل لجنة برلمانية، بل في حكومة تتعامل مع الرقابة كعبء يمكن تأجيله؛ فإذا ظلت طلبات الإحاطة أوراقًا مؤجلة وظل الوزراء غائبين، فلن يبقى من المساءلة سوى عنوان في اللائحة وصوت غاضب بلا نتيجة.

