قالت وزارة الصحة في مصر إنه تم تسجيل نحو 1.4 مليون حالة عقر خلال عام 2025، وسط تصاعد شكاوى المواطنين من انتشار الكلاب الضالة في الشوارع والميادين، وارتفاع الخطر على الأطفال وكبار السن، مع كلفة أمصال ولقاحات بلغت نحو 1.7 مليار جنيه.

 

وتكشف الأزمة فشلا حكوميا متراكما لا يخص الحيوان وحده، بل يخص حق المواطن في شارع آمن ونظافة منتظمة وأمصال متاحة، لأن الدولة تركت القمامة تجذب تجمعات الحيوانات والحشرات، وتركت المحليات تتحرك ببطء، ثم انتظرت غضب الأهالي حتى يصل الملف إلى طلبات الإحاطة داخل البرلمان.

 

 

الشوارع غير الآمنة تكشف فشل المحليات

 

في البداية، عادت شكاوى الأهالي بقوة بعد توسع تجمعات الكلاب الضالة داخل الأحياء السكنية والشوارع الرئيسية، خاصة في الساعات المتأخرة من الليل وساعات الصباح الأولى، حيث يتحرك الطلاب إلى مدارسهم والموظفون إلى أعمالهم وسط خوف يومي لا تعالجه بيانات حكومية متقطعة.

 

وبسبب تكرار الحوادث، لم يعد الخطر مقصورا على مناطق طرفية أو شوارع مهملة، بل وصل إلى ميادين وكتل سكنية مكتظة، حيث يتجنب الأهالي المرور في بعض الطرق بعد الغروب، وتغير أسر كثيرة مواعيد خروج الأطفال بسبب الخوف من المطاردة أو العقر.

 

كما ركز المواطنون في شكاواهم على الضوضاء المستمرة من النباح الجماعي، وعلى حالة الذعر التي تصيب الأطفال وكبار السن عند تجمع الكلاب قرب مداخل العمارات والمدارس، وهي تفاصيل يومية تكشف غياب إدارة محلية قادرة على رصد الخطر قبل تحوله إلى أزمة عامة.

 

ويضع الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، الملف في نطاق الصحة العامة لا في نطاق الشكوى الخدمية فقط، إذ أكد أن الكلاب مسؤولة عن النسبة الأكبر من حالات السعار، وأن ارتفاع حالات العقر يفرض ضغطا مباشرا على الأمصال واللقاحات والمستشفيات.

 

لذلك تتحمل الحكومة مسؤولية مزدوجة، لأنها لم تمنع أسباب تكاثر الكلاب في الشوارع، ولم تضمن في الوقت نفسه شعور المواطن بسهولة الوصول إلى العلاج بعد العقر، فالأزمة تبدأ من صندوق قمامة مفتوح وتنتهي عند وحدة صحية قد يبحث فيها المصاب عن مصل عاجل.

 

 

القمامة تصنع الأزمة والحكومة تترك الأسباب وتعالج النتائج

 

بعد ذلك، يظهر ملف القمامة باعتباره أحد الأسباب المباشرة لتضخم الظاهرة، لأن المخلفات المتروكة في الشوارع تمنح الكلاب مصدرا دائما للغذاء، وتدفعها إلى التجمع قرب المدارس والأسواق ومواقف المواصلات، بينما تكتفي أجهزة النظافة بحملات متقطعة لا تغير النمط اليومي في الأحياء.

 

ومع استمرار هذا الوضع، تصبح مطالبة المواطنين بالتعايش مع الخطر نوعا من تحميل الضحية مسؤولية فشل الإدارة، لأن الدولة هي التي تملك شركات النظافة والمحليات والرقابة البيطرية، وهي التي تستطيع قطع مصدر الغذاء العشوائي قبل أن تتحول الكلاب إلى مجموعات ثابتة داخل الشوارع.

 

وقد تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة لمساءلة الحكومة عن الأزمة، ومنهم النائبة هناء أنيس رزق الله التي وجهت طلبها إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء التنمية المحلية والزراعة والصحة، بعد تزايد شكاوى الأهالي من انتشار الكلاب داخل المناطق السكنية والميادين العامة.

 

لكن التحرك البرلماني جاء لاحقا لغضب الشارع لا سابقا عليه، لأن ملايين المواطنين عاشوا الخوف قبل أن يسمعوا حديثا عن التنسيق بين الوزارات، وهو ما يجعل طلبات الإحاطة أقرب إلى توثيق الفشل المتراكم منها إلى أداة رقابية توقف الخطر في وقته.

 

ويقول الدكتور حامد موسى الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، إن الخطة الحكومية تقوم على التوسع في التحصين والتعقيم والتعاون مع المحافظات، غير أن الأرقام المعلنة عن الحملات لا تزال محدودة عند مقارنتها بحجم الشكاوى واتساع انتشار الكلاب في محافظات كثيرة.

 

ولهذا السبب، لا يكفي إعلان حملات تعقيم في أحياء بعينها، لأن الأزمة تحتاج خريطة واضحة للمناطق الأكثر خطرا، وسرعة استجابة للشكاوى، وتنظيفا منتظما لمصادر الغذاء، وتوفيرا للأمصال، وإلا ستظل الحكومة تتحرك خلف الحادث لا أمامه.

 

 

بين الرفق بالحيوان وحق المواطن في الأمان

 

في المقابل، لا يمنح غضب المواطنين الحكومة حق العودة إلى حلول عشوائية أو قاسية، لأن حماية الإنسان لا تتعارض مع الرفق بالحيوان عندما تملك الدولة خطة علمية، بل تتعارض فقط مع الارتجال الذي يترك الكلاب تتكاثر ثم يتعامل معها بعد انفجار الشكاوى.

 

وتؤكد منى خليل، رئيسة الاتحاد المصري لجمعيات الرفق بالحيوان، أن الحل العلمي يقوم على التعقيم والتطعيم وإعادة الإطلاق المنظم أو الإيواء عند الحاجة، وترى أن تنفيذ برامج واسعة النطاق ممكن إذا استكملت الدولة المنظومة بدل الاكتفاء بتجارب محدودة لا تغطي الشوارع الساخنة.

 

كما طالبت النائبة هناء أنيس رزق الله بتنسيق واضح بين المحليات والهيئة العامة للخدمات البيطرية ووزارة الصحة، وتنفيذ حملات موسعة للتعقيم والتطعيم والإيواء، مع التأكد من توافر أمصال علاج حالات العقر في المستشفيات والوحدات الصحية على مستوى الجمهورية.

 

وبناء على ذلك، يصبح الامتحان الحقيقي للحكومة في سرعة تحويل هذه المطالب إلى إجراءات مرئية، لأن المواطن لا يريد بيانا جديدا عن الرحمة بالحيوان ولا تصريحا عن الخطة القومية، بل يريد شارعا آمنا، وصندوق قمامة مغلقا، ووحدة صحية جاهزة، ورقما فعالا للشكاوى.

 

وفي ظل تكرار الاتهامات البرلمانية للحكومة بالتقاعس، تبدو الأزمة نتيجة مباشرة لسنوات من ترك الملف بين المحليات والزراعة والصحة من دون قيادة موحدة، فكل جهة تعلن اختصاصا جزئيا، بينما يتحمل الأهالي الخطر كاملا عند باب المدرسة ومدخل العمارة وموقف المواصلات.

 

لذلك تحتاج الدولة إلى إعلان جدول زمني ملزم للتعقيم والتحصين، ونشر أرقام شهرية عن حالات العقر وتوافر الأمصال، وتحديد مسؤولية كل محافظة عن النظافة والإيواء والاستجابة، لأن استمرار الغموض يعني أن الخطة ستبقى عنوانا حكوميا لا يشعر به المواطن في الشارع.

 

وتبقى الخلاصة أن أزمة الكلاب الضالة لم تنفجر فجأة، بل تراكمت تحت أعين الحكومة حتى وصل خطرها إلى 1.4 مليون حالة عقر في عام واحد، وحين يصبح طريق المدرسة مصدر خوف، لا تعود القضية بيطرية فقط، بل تصبح دليلا على دولة تعالج الخطر بعد أن يعض المواطنين.