كشفت بيانات التضخم في مصر عن بقاء الأسعار عند مستوى ضاغط قبل قدوم عيد الأضحى ، بعدما سجل التضخم الحضري 14.9% في أبريل، بينما طرحت وزارة التموين كيلو الضأن البلدي بسعر 425 جنيهًا والسوداني بسعر 350 جنيهًا، فدخلت الأسر موسم العيد أمام تكلفة تفوق قدرة الدخل.

 

وبذلك تحولت المناسبة من موسم إنفاق اجتماعي معتاد إلى اختبار مباشر لسياسات حكومة تحدثت عن ضبط الأسواق، بينما أبقت أسباب الغلاء قائمة في الأعلاف والطاقة والنقل وسعر العملة. المواطن لا يواجه ارتفاع سعر الأضحية وحده، بل يواجه نتيجة سياسة تركت الإنتاج أضعف من الطلب.

 

أسعار اللحوم تكشف أزمة دخل لا موسما عابرا

 

في البداية، تؤكد أرقام أبريل أن تراجع بعض بنود الغذاء شهريًا لم يحم الأسر من صدمة الموسم، لأن أسعار السكن والطاقة والنقل والصحة واصلت الضغط على الميزانية. الحكومة قدمت انخفاضًا محدودًا في بند اللحوم كإشارة تهدئة، لكن السوق استقبل العيد بأسعار لا تناسب أجورًا ثابتة.

 

ثم جاءت أسعار المنافذ الرسمية لتكشف حدود التدخل الحكومي، فالكيلو الذي تطرحه الدولة بسعر 350 أو 425 جنيهًا لا يصنع حماية حقيقية لأسرة تحتاج أكثر من كيلو واحد في العيد. الحكومة وفرت عرضًا محدودًا، لكنها لم تقدم سياسة تخفض أصل التكلفة على المنتج والمستهلك.

 

كذلك يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن تصاعد التضخم يضغط على قرارات الفائدة وعلى تكلفة التمويل، وهو ما يجعل السوق يدفع ثمن الغلاء مرتين. فالمواطن يدفع سعرًا أعلى عند الشراء، والمنتج يدفع تكلفة تمويل أعلى قبل أن تصل السلعة إلى المنفذ.

 

وعلى هذا الأساس، لا تنفصل أسعار الأضاحي عن قرارات الطاقة وسعر الصرف والنقل، لأن كل حلقة ترفع السعر قبل أن يراه المواطن في الشادر. الحكومة تتعامل مع الذروة الموسمية كأزمة بيع، بينما تكشف الأرقام أن الأزمة تبدأ من تكلفة الإنتاج ومن ضعف الدخل.

 

لذلك فقدت الأسر مساحة الاختيار، فبعضها اتجه إلى المشاركة في أضحية واحدة، وبعضها اكتفى بشراء كميات محدودة من اللحوم، وبعضها خرج من الموسم بالكامل. هذا التحول لا يعبر عن تغير في العادات، بل يعبر عن عجز دخل فرضته سياسات اقتصادية لم تحم الأسرة.

 

منافذ الحكومة تطارد السعر بعد أن تركت تكلفة الإنتاج

 

بعد ذلك، أعلنت وزارة التموين تجهيز 2300 رأس ماشية مع 1500 رأس إضافية، وطرح 669 طنًا من اللحوم المجمدة، وتوفير 6000 رأس ضأن مذبوح ومجمد. هذه الأرقام تمنح الوزارة مادة دعائية، لكنها لا تعالج سوقًا واسعًا يتحرك قبل العيد في المحافظات والقرى والشوادر الخاصة.

 

في المقابل، تكشف خريطة المعروض الرسمية أن الحكومة تلاحق الطلب من آخر السلسلة، لا من بدايتها. توفير الشوادر والمجمعات يفيد شريحة محدودة قرب المنافذ، لكنه لا يخفض تكلفة الأعلاف ولا يحمي صغار المربين ولا يزيد المعروض المحلي المستدام من الثروة الحيوانية.

 

هنا يوضح الخبير الزراعي نادر نور الدين أن الأعلاف تمثل بين 65% و75% من تكلفة إنتاج اللحوم والدواجن والأسماك، وأن مصر تعتمد على استيراد الذرة الصفراء وفول الصويا. هذا التشخيص يضع أصل الأزمة في العملة والاستيراد لا في موسم العيد وحده.

 

وبسبب ذلك، يدفع صغار المربين ثمنًا مباشرًا لتقلب الدولار وتكلفة النقل والطاقة، ثم يخرج جزء منهم من دورة التربية عندما لا يجد تمويلًا أو علفًا مناسبًا. خروج هؤلاء يقلل المعروض المحلي، ويترك السوق تحت رحمة التجار والمستوردين والمواسم الدينية مرتفعة الطلب.

 

من ثم، تبدو حملات الرقابة التي جرت قبل العيد إجراءً متأخرًا، لأن السعر لا يرتفع فقط بسبب تاجر يخالف أو شادر يبالغ. السعر يرتفع لأن الحكومة لم تبن منظومة أعلاف محلية كافية، ولم توفر تمويلًا رخيصًا للمربين، ولم تحم الإنتاج الحيواني من صدمات الاستيراد.

 

كما أن صكوك الأضاحي نفسها أظهرت اتساع الفجوة، بعدما بلغت قيمة الصك المستورد 7000 جنيه والبلدي 9500 جنيه مع إتاحة التقسيط. تقسيط الشعيرة لا يحل أزمة القدرة الشرائية، بل يؤكد أن دخل الأسرة صار عاجزًا عن دفع تكلفة موسمية كانت أوسع انتشارًا.

 

الاستثمار الخاص لا ينقذ السوق ما دامت الدولة تنافس المنتجين

 

في هذا السياق، أعلنت الحكومة ارتفاع الاستثمارات الكلية في الربع الأول من العام المالي 2025 و2026 إلى 287.7 مليار جنيه بالأسعار الثابتة، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص إلى 66%. غير أن هذا الرقم لا يكفي لتبرئة الحكومة ما دام أثره لا يظهر في الغذاء والأسعار والدخل.

 

ثم يبرز التناقض بين الخطاب الرسمي وواقع السوق، فالنمو المعلن في قطاعات الصناعة والسياحة والاتصالات لا يمنع المواطن من مواجهة لحم مرتفع وسلع يومية أثقل. المؤشر الاقتصادي لا يصبح نجاحًا سياسيًا عندما تعجز الأسرة عن شراء احتياجات العيد الأساسية.

 

كذلك يقول الدكتور مدحت نافع إن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا يقاس بالأرقام وحدها، بل بتحسن حياة المواطن واستقرار الأسعار وفرص العمل. ويؤكد أن الاستثمار الخاص في الزراعة والصناعة يجب أن يتحول إلى قاطرة حقيقية، بدل بقائه في أنشطة محدودة الأثر على الإنتاج.

 

وعليه، يتحول ملف عيد الأضحى إلى دليل على فشل ترتيب الأولويات، لأن الدولة التي توسعت في مشروعات كبيرة لم تمنح الزراعة والإنتاج الحيواني وزنًا كافيًا في الحماية والتمويل. المواطن لا ينتظر بيان نمو، بل ينتظر سعرًا ينسجم مع أجره وحاجته.

 

فضلًا عن ذلك، حذر صندوق النقد الدولي من استمرار هيمنة القطاع العام والشركات المملوكة للدولة على الاقتصاد، ومن محدودية التقدم في تقليص هذا الدور. هذه الملاحظة تشرح جانبًا من أزمة الاستثمار، لأن المنتج الخاص لا يستطيع التوسع بثقة في سوق تنافسه فيها الدولة.

 

لذلك لا تكفي موافقة البنك الدولي على تمويل جديد بقيمة 1 مليار دولار لدعم الوظائف والقطاع الخاص، إذا ظلت قواعد السوق منحازة للكيانات الأقوى. التمويل الخارجي يمنح الحكومة وقتًا، لكنه لا يعوض غياب سياسة إنتاجية تخفض سعر الغذاء وتزيد دخول العاملين.

 

وفي النهاية، يكشف الوضع الراهن أن الحكومة عالجت موسمًا مكلفًا بأدوات بيع ورقابة لا بأدوات إنتاج واستثمار. الأسر المصرية دفعت ثمن التضخم، والمربون دفعوا ثمن الأعلاف، والقطاع الخاص دفع ثمن مزاحمة الدولة، وبقيت السلطة تقدم أرقامًا لا تنقذ مائدة العيد.