كشفت أجهزة الأمن في الدقهلية، اليوم الأربعاء، مصرع الطفلين حبيبة عاصم فوزي البهلول 12 سنة وشقيقها أحمد 3 سنوات، إثر حريق شقة في الطابق الخامس بمنطقة المجزر بمدينة المنصورة، بعدما دلت المعاينة الأولية على ماس كهربائي بالوصلات الداخلية تسبب في دخان كثيف أودى بحياتهما.
وتعيد الواقعة مأساة الحرائق المنزلية إلى الواجهة، لأن موت طفلين داخل شقة لا يمكن التعامل معه كحادث عابر ينتهي بمحضر وتحقيق، بينما تسجل مصر 51,029 حادث حريق خلال 2025، في مؤشر يؤكد أن الخطر يتسع داخل البيوت والشوارع والمحال وسط رقابة ضعيفة على السلامة الكهربائية.
ماس كهربائي يحصد طفلين في شقة مغلقة
بدأت تفاصيل الحادث عندما تلقى مدير أمن الدقهلية إخطارا من مدير المباحث الجنائية يفيد بورود بلاغ إلى شرطة النجدة باندلاع حريق داخل منزل بمنطقة المجزر في مدينة المنصورة، لتنتقل قوة من قسم أول المنصورة والحماية المدنية إلى موقع البلاغ فور تسجيله.
وبعد انتقال قوات الإطفاء، تبين أن الحريق نشب داخل شقة بالطابق الخامس علوي في العقار رقم 30، ودفعت الحماية المدنية بسيارات الإطفاء التي سيطرت على النيران قبل امتدادها إلى باقي المبنى، لكن السيطرة جاءت بعد أن ملأ الدخان الشقة وخنق الطفلين.
ثم كشفت المعاينة الأولية أن سبب الحريق ماس كهربائي في الوصلات الداخلية للشقة، وهو سبب يتكرر في حوادث كثيرة داخل المنازل المصرية، حيث تتداخل الأسلاك الرديئة والمشتركات غير الآمنة والأحمال الزائدة مع غياب الفحص الدوري لتتحول الكهرباء إلى مصدر موت صامت.
وبحسب البيانات المتاحة عن الواقعة، نُقلت جثتا حبيبة وشقيقها أحمد إلى مشرحة مستشفى المنصورة الدولي تحت تصرف جهات التحقيق، وحررت الجهات الأمنية المحضر اللازم، بينما بقي السؤال الأكبر خارج أوراق التحقيق، وهو كيف تتحول شقة سكنية إلى مصيدة دخان لطفلين.
ومن هنا، يدعم اللواء أيمن فؤاد خبير الحماية المدنية هذا المحور، لأنه حذر من سوء استخدام المشتركات الكهربائية داخل المنازل، واعتبرها مسؤولة عن نحو 40 إلى 50% من حرائق الكهرباء، بسبب رداءة التصنيع أو تحميلها بأجهزة عالية الاستهلاك.
حرائق تتزايد وأرقام رسمية تكشف الخطر
بعد ذلك، لا تقف مأساة المنصورة وحدها في المشهد، لأن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن ارتفاع حوادث الحريق إلى 51,029 حادثة خلال 2025، مقابل 46,925 حادثة في 2024، بنسبة زيادة بلغت 8.7%، وهي زيادة لا تسمح للحكومة بالاكتفاء ببيانات التعزية.
كما أظهر التقرير السنوي أن الحريق العارض جاء في المقدمة بعدد 11,563 حادثة بنسبة 22.7%، تلاه الحريق الناتج عن الإهمال بعدد 5,184 حادثة بنسبة 10.2%، ما يعني أن جزءا معتبرا من الكارثة يرتبط بسلوكيات وإهمال ورقابة كان يمكن التعامل معها قبل وقوع الضحايا.
وفي 2024، سجلت مصر 46,925 حادثة حريق مقابل 45,435 حادثة في 2023، بما يؤكد أن منحنى الحرائق عاد للصعود قبل أن يقفز في 2025، بينما بلغت وفيات 2024 نحو 232 حالة، وأصيب 831 شخصا، وفق بيانات الإحصاء الرسمية.
لذلك، يصبح تكرار عبارة ماس كهربائي في الأخبار اليومية دليلا على خلل عام لا تفصيلا فنيا، لأن الخلل لا يبدأ عند الشرارة الأخيرة، بل يبدأ من تأسيس كهربائي ضعيف، ومهمات مجهولة المصدر، وشبكات قديمة، وغياب تفتيش حقيقي داخل العقارات المأهولة.
وفي هذا السياق، يخدم الدكتور مجدي صليب المدير السابق للمركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية محور الوقاية المؤسسية، لأنه اعتبر أن نسبة الحرائق الناجمة عن الماس الكهربائي كبيرة للغاية ولا تليق بحجم دولة كبرى، وربط حوادث سابقة بضعف الالتزام بقواعد السلامة.
حكومة تتحرك بعدالكارثة لا قبلها
في المقابل، تكشف حوادث الحريق المتكررة أن التعامل الرسمي يظل غالبا محصورا بين الإطفاء والتحقيق، بينما تغيب خطة واضحة لإلزام العقارات القديمة بفحص الشبكات الداخلية، ومراجعة الأحمال، ومنع بيع أدوات كهربائية رديئة، وتوفير إنذارات حريق داخل العمارات السكنية المكتظة.
ومع ذلك، تواصل الأسر شراء مشتركات وأسلاك وأجهزة منخفضة الجودة تحت ضغط الأسعار، بينما لا تملك الدولة منظومة تفتيش كافية على السوق، ولا حملة مستمرة لشرح خطورة التحميل الزائد على المقابس، ولا دعما واضحا لاستبدال الشبكات المتهالكة في بيوت الفقراء.
كذلك، لا يكفي أن تنشر الجهات المختصة نصائح عامة بعد كل مأساة، لأن النصيحة لا توقف حريقا إذا بقيت الأسلاك داخل الجدران بلا فحص، وبقيت العمارات بلا طفايات صالحة، وبقيت سلالم النجاة مغلقة، وبقي المواطن وحده أمام فاتورة السلامة.
وعند هذه النقطة، يقدم الدكتور فاروق صلاح عزام زاوية قانونية مهمة من خلال دراسته لقواعد السلامة والصحة المهنية، لأن حماية الأرواح لا تتحقق بترك الوقاية للاختيار الشخصي، بل تحتاج إلى التزام قانوني ورقابة وفحص وتدريب ومساءلة عند الإهمال.
ثم تأتي مسؤولية الحكومة أوضح عندما تتحول الحرائق إلى رقم يومي كبير، فالدولة التي تعرف أن مايو سجل أعلى عدد شهري لحوادث 2025 بعدد 5,794 حادثة لا يجوز أن تنتظر الصيف أو المواسم العالية ثم تكتفي باستنفار الإطفاء بعد وقوع الكارثة.
وبناء على ذلك، تحتاج مصر إلى خطة سلامة منزلية لا تقل أهمية عن حملات المرور أو الصحة، تبدأ بفحص شبكات الكهرباء في العقارات القديمة، وتشديد الرقابة على الأدوات الكهربائية، وتدريب المواطنين في المدارس ومراكز الشباب، وإلزام العمارات بوسائل إنذار وإطفاء مناسبة.
وفي النهاية، لا تختصر وفاة حبيبة وأحمد في ماس كهربائي داخل شقة بالمنصورة، بل تكشف بلدا يترك بيوته تحت رحمة أسلاك تالفة ومشتركات رديئة وأحمال زائدة ثم يسمي النتيجة حادثا، بينما الحقيقة أن كل حريق جديد يثبت أن الوقاية غائبة قبل وصول سيارات الإطفاء.

