أعلنت إيران، إنشاء هيئة جديدة لإدارة مضيق هرمز تحت مسمى "هيئة مضيق الخليج العربي"، بالتزامن مع استمرار القيود المشددة على حركة الملاحة البحرية في أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، وذلك بعد أشهر من الحرب التي اندلعت بين طهران وواشنطن وتل أبيب نهاية فبراير الماضي.
ويأتي الإعلان الإيراني في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط توترًا غير مسبوق، وسط تعثر المفاوضات السياسية واستمرار المواجهات العسكرية غير المباشرة، بينما يتحول مضيق هرمز تدريجيًا إلى ورقة ضغط جيوسياسية تستخدمها طهران في مواجهة العقوبات الأمريكية والحصار البحري المفروض عليها.
هيئة جديدة لإدارة المضيق
المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أعلن عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" تشكيل الهيئة الجديدة، مؤكدًا أنها ستتولى إصدار تحديثات فورية تتعلق بعمليات الملاحة داخل مضيق هرمز، إلى جانب متابعة التطورات الأمنية والبحرية المرتبطة بالممر الحيوي.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة إيرانية لإضفاء طابع مؤسسي على سيطرتها المتزايدة على المضيق، خاصة بعد أن فرضت طهران منذ مطلع مارس الماضي حظرًا شبه كامل على عبور السفن التجارية وناقلات النفط، ردًا على ما وصفته بـ"العدوان الأمريكي الإسرائيلي" ضدها.
ورغم سريان وقف هش لإطلاق النار منذ الثامن من أبريل الماضي، فإن التوترات لم تهدأ بالكامل، في ظل غياب أي اتفاق سياسي شامل ينهي الحرب أو يضع حدًا للصراع المتصاعد بين الجانبين.
اضطراب عالمي وارتفاع حاد في أسعار النفط
القيود الإيرانية على حركة الملاحة داخل مضيق هرمز تسببت في اضطرابات واسعة بأسواق الطاقة العالمية، بعدما قفزت أسعار النفط إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، مقارنة بحوالي 67 دولارًا قبل اندلاع الحرب.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين التجارة العالمية للطاقة، إذ تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، ما جعل أي تهديد لحركة الملاحة داخله ينعكس فورًا على الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
ويرى مراقبون أن إيران استطاعت عبر التحكم في المضيق امتلاك ورقة ضغط استراتيجية مكّنتها من فرض معادلات جديدة في الصراع، خصوصًا مع تزايد المخاوف الغربية من اتساع نطاق الأزمة وتهديد أمن الطاقة العالمي.
حصار أمريكي وتحركات عسكرية متبادلة
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة فرض حصار بحري مشدد على المواني الإيرانية ومحيط مضيق هرمز، في محاولة للضغط على طهران للقبول بالشروط الأمريكية المتعلقة بفتح المضيق ووقف تخصيب اليورانيوم وتقليص برنامجها الصاروخي.
وتتهم واشنطن إيران باستخدام الممر البحري كورقة ابتزاز سياسي واقتصادي، بينما تؤكد طهران أن ما تقوم به يندرج ضمن "حقها السيادي" في حماية أمنها القومي وضمان أمن الملاحة.
وتسعى إيران كذلك إلى فرض رسوم مالية على السفن العابرة للمضيق باعتبارها "تعويضًا" عن الخسائر التي تكبدتها جراء الحرب.
طهران تدافع عن خطوتها
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي دافع عن الخطوة الإيرانية، مؤكدًا أن من الطبيعي أن تحصل أي دولة ساحلية على رسوم مقابل الخدمات التي تقدمها للسفن العابرة، لكنه شدد على أن "جوهر القضية يتمثل في ضمان العبور الآمن".
وأوضح بقائي أن إيران وسلطنة عمان، باعتبارهما الدولتين المشرفتين على المضيق، تعملان على إنشاء آلية قانونية تضمن أمن الملاحة وفق قواعد القانون الدولي، مشيرًا إلى أن تلك الترتيبات "ستكون لها تكاليف".
وفي الوقت ذاته، حاول المسؤول الإيراني إرسال رسائل تهدئة إلى دول المنطقة، مؤكدًا أن بلاده لا تحمل أي عداوة لجيرانها، وأنها تدعو إلى الحذر مما وصفه بـ"مؤامرات الأطراف الخارجية" الرامية لإشعال الانقسامات داخل المنطقة.
كما كرر بقائي الموقف الإيراني التقليدي الرافض للوجود العسكري الأمريكي في الخليج، معتبرًا أن القوات الأمريكية "لا تجلب الأمن بل تتسبب في انعدام الاستقرار"، داعيًا إلى إنشاء منظومة أمنية إقليمية تعتمد على التعاون بين دول المنطقة دون تدخلات خارجية.
مفاوضات متعثرة بين طهران وواشنطن
على الصعيد السياسي، كشفت التصريحات الإيرانية والأمريكية عن استمرار حالة الجمود في المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق شامل بين الطرفين.
وقال بقائي إن إيران قدمت خطة تتضمن 14 بندًا لبناء الثقة، مضيفًا أن الجانب الأمريكي أبدى تحفظات عديدة عليها، قبل أن تنقل باكستان، التي تقوم بدور الوسيط، مجموعة جديدة من الملاحظات والمقترحات بين الطرفين.
وفي السياق ذاته، نقلت وكالة رويترز عن مصدر باكستاني قوله إن إسلام آباد أطلعت واشنطن على نسخة معدلة من المقترح الإيراني لإنهاء الحرب، مشيرًا إلى أن الوقت المتاح للتوصل إلى تسوية أصبح محدودًا في ظل استمرار الطرفين في تغيير شروطهما التفاوضية.
الرئيس الأمريكي بدوره اتهم إيران بالمراوغة، وقال في تصريحات لمجلة "فورتشن" إن طهران توافق مبدئيًا على التفاهمات ثم تعود لتقديم أوراق وشروط جديدة "لا تمت بصلة لما تم الاتفاق عليه".
شروط متبادلة تعرقل الاتفاق
ووفق ما نقلته وكالة فارس الإيرانية، تتمسك طهران بخمسة مطالب رئيسية من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي، تشمل وقف الحرب على جميع الجبهات، خاصة في لبنان، ورفع العقوبات الأمريكية بالكامل، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتعويض إيران عن خسائر الحرب، إضافة إلى اعتراف واشنطن الكامل بسيادة طهران على مضيق هرمز.
في المقابل، تصر الولايات المتحدة على وقف البرنامج النووي الإيراني بشكل شبه كامل، والإبقاء على منشأة نووية واحدة فقط داخل إيران، إلى جانب تسليم 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب للولايات المتحدة.
كما ترفض واشنطن إعادة أكثر من ربع الأصول الإيرانية المجمدة أو دفع أي تعويضات مرتبطة بالحرب، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل فرص الوصول إلى اتفاق شامل أكثر صعوبة.

