صلاح الدين الجورشي
محلل سياسي وإعلامي، مدير مكتب العربي الجديد في تونس
لم يعد خافيًا حرص السعودية على عدم التورط في الحرب ضد إيران. وعندما اضطرّت إلى توجيه ضربات إلى مواقع إيرانية في شهر مارس الماضي، بحسب ما تردّد، توقفت عن هذا بسرعة، وعملت على احتواء الأمر سياسيًا ودبلوماسيًا من أجل الاحتفاظ بعلاقات مستقرّة مع طهران. لا يتعلق هذا الموقف بالمملكة، وإنما يشمل معظم دول الخليج، ولكن نظرًا إلى حجم السعودية ووزنها الإقليمي، تعتبر مواقفها في هذه الحرب مهمة ولافتة.
هناك رهان أميركي إسرائيلي على توريط الخليجيين في عدوان ظالم لا ناقة لهم فيه ولا جمل. وقد مارسا ضغوطًا مختلفة من أجل الوصول إلى هذه الغاية، ورغم هذا لم تتحقق غايتهما بالصيغة المرغوب فيها. ولم يبق الأمر سرًّا بل خرج مسؤولون سعوديون عن تحفظهم الذي عُرفوا به، وصرّحوا بالأمر بكيفية لا لبس فيها. من بين هؤلاء رئيس الاستخبارات الأسبق في المملكة تركي الفيصل، الذي أعلن صراحة، وبكل ما يختزنه الرجل من غضب وتحدٍّ، "لن نحارب إيران لمصلحة إسرائيل، ولتنبح الكلاب".
لقد ذهب الغرور بكل من ترامب ونتنياهو إلى الاعتقاد بأن حكّام المملكة فقدوا كليًا قدراتهم على التفكير بشكل مستقل، ولا خيار لهم سوى الاستجابة لشروط مطالب المتحكّمين في مصير المنطقة. لكن ما حدث فاجأ الجميع، وأحبط بعض خطط جهنمية وضعتها الغرف السوداء للحركة الصهيونية. لم يعد السعوديون ومعظم الخليجيين يتحمّلون سياسات الابتزاز والاحتقار التي يتعامل بها هذان الحاكمان معهم. لقد جرى تجاوز كل الحدود، وأصبحت العلاقة أكبر من سياسة ليّ الذراع، وأصبح إلى جانب الإذلال تهديد للدول وتعريض مستقبلها لمخاطر ماحقة.
كان التركيز في البداية على إقناع السعودية بضرورة الخضوع للتطبيع، باعتباره المفتاح الذي سيمكّن الصهاينة من الولوج إلى كنوز الخليج وأسراره، وفصل دوله عن القضية الفلسطينية. ولو تحقّق هذا لفقد العرب والمسلمون ورقة استراتيجية على غاية من الأهمية. لكن إدراك قيادة المملكة خطورة القرار وانعكاساته المستقبلية جعلها تتريث، ولا تندفع نحو هذه الورطة الكبرى، فوضعت شرطًا سابقًا للانخراط في اتفاقيات أبراهام، يتمثل أولًا في الاعتراف بقيام دولة فلسطينية. وتدرك السعودية جيدًا أن إسرائيل ترفض بشكل قطعي مجرّد الحديث عن هذه الدولة، لكونها تخطط لقيام ما تسميها "إسرائيل الكبرى". لهذا تمسّكت بشرطها، خصوصًا بعد أن تابعت ما حصل في غزّة من إبادة وتدمير.
المطلوب اليوم من المملكة أن تتورّط مباشرة في المساعدة علنًا على إضعاف إيران وتخريب مؤسّساتها لمصلحة إسرائيل. لهذا قرّرت الرياض تعديل وجهتها الدبلوماسية والأمنية. انفتحت على روسيا والصين من جهة، وباكستان النووية المعادية لسياسات نتنياهو من جهة أخرى، فالسعودية تعمل حاليًا على حماية نفسها من عملية التفاف أميركي إسرائيلي، وتحاول في خطٍّ موازٍ إعادة تشكيل خريطة جديدة لموازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.
سئل رئيس وزراء قطر السابق، الشيخ حمد بن جاسم، أخيرًا، عن رأيه في مستقبل دول الخليج، فأجاب بأن هذه الدول ليست على رأي واحد فيما يتعلّق بالحرب على إيران، ما مكّن نتنياهو من أن يُحدث ثغرات استغلها لإقناع البيت الأبيض بضرورة الهجوم المباغت. لهذا السبب لم يكن الشيخ حمد واثقًا في توقعاته بمستقبل المنطقة وبمدى استفادتها من هذه الحرب، فهو يعلم أن لكل أحلامه وطريقته في ترتيب الأوليات.
مؤكّدٌ أن السعودية مهدّدة بأخطار حقيقية، لكونها تعلم بما يفكر فيه الصهاينة. هم يعملون على عزلها عن الإسلام باعتباره العقبة الكأداء في طريقهم. ويخطّطون بجدية من أجل تقسيم المملكة إلى دويلات صغيرة مناطقيًا ومذهبيًا، حتى تسهل السيطرة على ثرواتها وضرب وحدتها. السعودية لن تبقى كما هي عليه إذا اندمجت كليًا ضمن المشروع الصهيوني الأميركي. وهي حاليًا بين مفترق طرق، إما الصمود والمراهنة على بناء تحالف حقيقي وازن يسندها في هذه المرحلة أو ستتلقّفها الأفاعي والأسود.

