في الوقت الذي يقبع فيه غالبية المصريين تحت خط الفقر، إذ يقدر البنك الدولي أن نحو 66.2% من السكان قد يقعون تحت خط الفقر العالمي المقدر بـ 6.8 دولار يوميًا، وذلك في ظل الأزمات الاقتصادية وتآكل الطبقة المتوسطة، تتزايد الضغوط والأعباء الحياتية على الشريحة العظمى، مع استمرار التضخم وتآكل قيمة العملة (الجنيه).
زاد من المعاناة رفع الدعم عن كثير من السلع والخدمات الأساسية، استجابة لتعليمات صندوق النقد، على الرغم من التحذيرات من مخاطر وأضرار ذلك على المصريين الذين يكافحون لتلبية الاحتياجات الأسرية والمعيشية الأساسية، وتراجعت أولوياتهم بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، في ظل حكم الانقلاب الذي لا تأخذه رحمة أو رأفة بالمصريين.
وعلى الرغم من الدعم السلعي الذي تقدمه الحكومة تراجع إلى حد كبير، إلا أنه يسد جزءًا ولو ضئيلاً من احتياجات المواطن الأساسية، حيث يحصل على الخبز والزيت والسكر، بأسعار منخفضة منذ عقود طويلة، من خلال بطاقات تموينية.
ويستفيد نحو 63 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني بمصر، حسب بيانات مجلس الوزراء.
لكن حكومة الانقلاب التي تتملص من التزاماتها في العمل على تطوير وتحقيق الرفاهية للمصريين، تسعى إلى وتطبق الحكومة المصرية منظومة لتوزيع سلع ضرورية، تشكو من الأعباء الاقتصادية لتلك المنظومة على الموازنة العامة، فضلاً عن التشكك في حقيقة وصول الدعم إلى مستحقيه.
تطبيق منظومة "الدعم النقدي"
وكان آخر ما سعت إليه في هذا الإطار إعلانها اعتزامها تطبيق منظومة "الدعم النقدي" اعتبارًا من العام المالي المقبل، بعد أن صرح مصطفى مدبولي رئيس الوزراء خلال اجتماع الحكومة الأربعاء، قائلاً: "ندرس بدء تطبيق الدعم النقدي اعتبارًا من العام المالي المقبل".
وعلى الرغم من أن فكرة التحول الكامل إلى الدعم النقدي مطروحة بالفعل منذ سنوات، لكن التفكير في تطبيقها في الظروف الاقتصادية الحالية يضاعف من آثارها السلبية على المستفيدين وعلى الاقتصاد ككل، فضلاً عما يثيره ذلك من مخاوف من أن يكون ذلك ممهدًا لإلغاء الدعم بالكلية عن المواطنين، كما يقول المعارضون لتلك الخطوة.
وكانت حكومة الانقلاب أرسلت إلى "الحوار الوطني" في عام 2024 بيانات حول منظومة الدعم الحكومي وصوره وأشكاله والمستفيدين منه من مختلف الجهات، متضمنة قاعدة بيانات محدثة وكاملة حول مستحقي الدعم.
مزيد من الإفقار
وطرحت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" آنذاك ورقة موقف بعنوان "التحول إلى الدعم النقدي الكامل يزيد الفقر ويهدد الأمن الغذائي"، قالت فيها إن أي سياسة اقتصادية لا تحتوى على زيادة في مكون الدعم العيني في الوقت الحالي وفي ظل معدلات التضخم غير المسبوقة والمرشحة للمزيد من الارتفاع، لا يمكنها تحقيق الحد الأدنى من الكفاية والحماية الاجتماعية التي تردد الحكومة في تصريحاتها أنها أولوية لسياساتها الاقتصادية. وتستفيض الورقة في شرح أسباب ذلك.
وحذرت من أن التحول من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي يضحى باعتبارات تحقيق الأمن الغذائي ويعرض المواطنين لمزيد من الإفقار، ويزيد في نفس الوقت من الأعباء التضخمية التي سترفع بدورها قيمة الدعم المطلوب تخصيصه، في دائرة مفرغة لن يكون مؤداها سوى زيادة العبء على المواطنين وعلى الموازنة العامة.
في حين يتطلب الظرف الاقتصادي الاجتماعي الحالي من الحكومة زيادة الإنفاق على كلا النوعين من الدعم، التمويني والنقدي، مع اتباع السياسات اللازمة لإغلاق الفجوات التي يتسرب منها إلى غير المستحقين.
وأوضحت المبادرة المصرية أن الدعم سواء كان سلعيًا أو نقديًا هو أحد أدوات الدولة في توفير الحقوق الدستورية الأساسية لمواطنيها، حيث يتطلب توفير هذه الحقوق أن تقوم الدولة بدورها في توجيه الاقتصاد نحو خلق فرص عمل كافية وتوفير أجور عادلة، وكذلك تقديم أنواع من الحماية الاجتماعية لسكانها لا توفرها قوى السوق بطبيعة الحال، خاصة في بلد يقع أكثر من ثلث سكانه (على الأقل) تحت خط الفقر.
أما الدعم النقدي الذي تقدمه الدولة حالياً للأسر الأكثر فقرًا ويستفيد منه نحو 21 مليون مواطن، فإن قيمة المبالغ التي يقدمها للمستفيدين ببرامجه تتعرض للتآكل مع ارتفاع مستويات الأسعار وتراجع قيمة العملة، بينما لا توجد قاعدة لزيادتها أو ربطها بمعدل التضخم، كما أنها ظلت دائمًا أقل من خط الفقر الرسمي حتى بعد زيادتها أكثر من مرة خلال العامين الماضيين، بل تقل حاليا عن حد الفقر المدقع (حد الجوع) إذا تم حسابه بأثر التضخم خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يعني أنها غير قادرة حتى على توفير الأمن الغذائي.
زيادة مخصصات الدعم العيني
وانتهت إلى المطالبة بضرورة استمرار الدعم بصورتيه السلعية والنقدية، بخاصة مع تراجع الأوضاع المعيشية لأعداد كبيرة من المصريين في السنوات الأخيرة، مما يتطلب التوسع في صور الدعم وليس تقليصها أو تحويلها لصورة نقدية معرضة للتآكل السريع في ظل التضخم المرتفع والمرشح لموجات قادمة من الارتفاع.
ودعت إلى زيادة مخصصات الدعم العيني الغذائية بحيث تتوافق مع خطر الإفقار المتزايد والذي يهدد قطاعات كبيرة من المواطنين، وتساهم في تقليص التفاوت الاجتماعي الخطير - اجتماعيًا وسياسيًا - الذي ينتج عن ذلك.
علاوة على تحسين عمليات تحديث البيانات وضم المستحقين الجدد والرقابة لتحسين كفاءة النظام، وتقليص الهدر والتسرب.
والتوسع في مخصصات الدعم النقدي وربط قيمته بخط الفقر وبمعدل التضخم، بما يضمن حصول المواطنين على الحد الأدنى من حقوقهم الأساسية.كلا النوعين من الدعم يساهمان في تخفيض أعداد الفقراء والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
والعمل بشكل سريع على تحسين هيكل الضرائب، لأن تحقيق قدر من العدالة الضريبية يساعد على تمويل التوسعات المطلوبة في نظم الدعم لحماية الفئات الهشة، كما يعتبر أحد الطرق لعلاج الأزمات المزمنة في مالية الدولة.
والعمل على علاج مشكلة تفاقم الدين العام هو المدخل الرئيس لتخفيف الضغط على الميزانية، بالإضافة إلى تخفيض معدلات الفائدة الذي يساهم في توفير براح مالي.

