كشفت وزارة المالية في تقريرها المالي الشهري الصادر في أبريل 2026 عن استحواذ مدفوعات فوائد الدين على 1.863 تريليون جنيه خلال الفترة من يوليو 2025 حتى مارس 2026، لتبتلع 81.8% من إجمالي الإيرادات البالغ 2.27 تريليون جنيه، وتضع الموازنة العامة أمام نتيجة مباشرة تتمثل في تآكل قدرة الدولة على تمويل الأجور والدعم والإنفاق الاجتماعي.

 

وتأتي هذه الأرقام في سياق سياسي واقتصادي تتحمل فيه الأسر المصرية نتيجة مباشرة لمسار اقتراض طويل، لأن الحكومة تواصل تقديم السداد والفوائد على احتياجات الناس الأساسية، بينما تعلن في الوقت نفسه عن تحسين إدارة الدين وتنويع مصادر التمويل من دون أن يظهر ذلك في مساحة إنفاق أوسع للأجور أو الدعم أو الحماية الاجتماعية.

 

الفوائد فوق الإيرادات وميزانية الدولة تحت سلطة الدائنين

 

بداية، أظهرت بيانات وزارة المالية أن بند الفوائد أصبح المركز الحقيقي للإنفاق العام، لأن مدفوعات الفوائد سجلت 55.6% من إجمالي المصروفات خلال فترة الدراسة، وهو مستوى يتجاوز نصف الإنفاق الحكومي ويكشف أن الموازنة تتحرك عمليًا حول خدمة الدين قبل أي التزام اجتماعي آخر.

 

وبعد ذلك، تؤكد مقارنة الفوائد بالإيرادات أن المشكلة لم تعد بندًا مرتفعًا داخل الموازنة فقط، لأن الفوائد وحدها تقترب من كامل حصيلة الضرائب تقريبًا، بينما لا تشمل هذه الأرقام أقساط الديون المستحقة، وهو ما يجعل الحديث الرسمي عن ضبط العجز غير كاف لتفسير الضغط الواقع على الإنفاق العام.

 

ومن هنا، تبدو تصريحات وزارة المالية عن تحسين إدارة الدين منفصلة عن أثر الأرقام على المواطنين، لأن الوزارة تعرض إجراءات فنية مثل تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على حساب الخزانة الموحد، بينما تظل النتيجة المحاسبية واضحة في تخصيص النصيب الأكبر من الموارد لأصحاب الدين.

 

وفي هذا السياق، يكتسب طرح الباحث الاقتصادي عمرو عادلي أهمية خاصة، لأن أعماله في الاقتصاد السياسي المصري تربط بين الضغوط المالية وضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج تعاف مستدام، كما يقدم مركز كارنيغي عادلي باعتباره باحثًا يركز على الاقتصاد السياسي والدراسات التنموية في مصر.

 

لذلك، لا تكشف بيانات أبريل 2026 عن أزمة عابرة في بند الفوائد، بل توثق نتيجة سنوات من ترتيب الأولويات المالية بطريقة تضع الدين في المقدمة، ثم تترك الأجور والدعم والخدمات العامة في مساحة أضيق، رغم أن هذه البنود تمس ملايين الأسر بصورة يومية ومباشرة.

 

الضرائب تزيد والحكومة تنقل العبء إلى المستهلكين والعاملين

 

في المقابل، اعتمدت الحكومة على الإيرادات الضريبية بوصفها المصدر الرئيسي للموارد، إذ بلغت الحصيلة الضريبية 1.85 تريليون جنيه وشكلت نحو 81.5% من إجمالي الإيرادات، لكن هذه الزيادة لم تفتح مساحة اجتماعية أوسع، لأنها ذهبت عمليًا إلى ملاحقة فاتورة الفوائد المرتفعة.

 

ثم توضح تفاصيل الحصيلة أن ضريبة القيمة المضافة تصدرت الموارد الضريبية بإيرادات تجاوزت 800 مليار جنيه، وهو رقم يكشف اعتمادًا متزايدًا على ضريبة يدفعها المستهلك عند شراء السلع والخدمات، بصرف النظر عن مستوى دخله أو قدرته على تحمل الزيادة في الأسعار.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح زيادة الضرائب غير المباشرة جزءًا من نقل تكلفة الأزمة إلى المواطنين، لأن المستهلك محدود الدخل يدفع النسبة نفسها التي يدفعها صاحب الدخل المرتفع عند شراء السلعة، بينما لا تعالج هذه الآلية أصل الأزمة المتعلق بتضخم الدين وفوائده.

 

ومن زاوية العدالة الضريبية، سبق أن انتقدت الصحفية والباحثة سلمى حسين ضريبة القيمة المضافة وكتبت عن آثارها على العدالة الاجتماعية، كما يقدمها موقع صفر بصفتها باحثة مهتمة بالسياسات المالية والدين العام وعلاقتهما بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية.

 

كذلك، سجلت الضرائب على دخول العاملين نموًا واضحًا مقارنة بالعام السابق، وهو تطور يزيد الضغط على الأجراء في وقت لا تتحرك فيه مخصصات الأجور بالوتيرة نفسها، ولذلك يتحمل العامل ضريبة أعلى وسعرًا أعلى، بينما يحصل على زيادة أضعف في دخله الحقيقي.

 

وبذلك، تصبح الموازنة وثيقة توثيقية لسياسة جباية لا تعلن اسمها صراحة، لأن الدولة توسع تحصيلها من الاستهلاك والعمل، ثم تستخدم جانبًا كبيرًا من هذه الحصيلة في سداد فوائد دين لم يشارك المواطنون في تحديد أولوياته أو مراقبة كلفته.

 

الأجور والدعم يتراجعان بينما يدفع المواطن ثمن الفجوة

 

على الجانب الآخر، أظهرت البيانات تباطؤ نمو مخصصات الأجور، كما تراجعت نسبتها من إجمالي المصروفات للعام الرابع على التوالي إلى نحو 14.4%، وهو مؤشر واضح على أن كتلة العاملين لا تحصل على موقع متقدم داخل الإنفاق العام رغم ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.

 

وفي الوقت نفسه، سجل بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية انخفاضًا طفيفًا كنسبة من الإنفاق العام، مع تراجع حصة بعض البنود الأساسية مثل دعم السلع التموينية مقارنة بالأعوام السابقة، وهذا يعني أن الحكومة تضيق مساحة الحماية الاجتماعية بينما ترفع حصيلة الضرائب من المواطنين.

 

ولهذا السبب، لا يستطيع الخطاب الرسمي عن زيادة رقمية في بعض البنود أن يخفي التراجع النسبي، لأن المواطن لا يتعامل مع الأرقام الاسمية وحدها، بل يتعامل مع سعر الخبز والزيت والمواصلات والكهرباء والدواء، وكلها بنود تتأثر بضعف الدعم وارتفاع الضرائب وتراجع قيمة الدخل.

 

وفي هذا الإطار، يلفت وائل جمال، مدير وحدة العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالسياسات العامة، وتساعد هذه المقاربة على قراءة الموازنة بوصفها توزيعًا فعليًا للأعباء بين الدائنين والمواطنين.

 

كما أشار تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن موازنة 2025 و2026 إلى أن نصيب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية من مجمل النفقات العامة تراجع على مدار سنوات، رغم الزيادات الاسمية، وهو ما يتسق مع استمرار ضيق المساحة الاجتماعية داخل الموازنة.

 

بناء على ذلك، توثق أرقام أبريل 2026 موازنة تخدم الدين أولًا وتطالب المواطنين بتمويل الفجوة ثانيًا، لأن الحكومة تحصل الضرائب من الاستهلاك والأجور، ثم تترك العامل والأسرة الفقيرة أمام دعم أضعف وأجر أقل وزنًا داخل الإنفاق العام.

 

وفي الخلاصة، تكشف هذه البيانات أن أزمة الموازنة المصرية لم تعد في نقص الموارد وحده، بل في اتجاه استخدام الموارد المتاحة، لأن الدولة التي تجمع 2.27 تريليون جنيه من الإيرادات خلال 9 أشهر ثم تترك 1.863 تريليون جنيه للفوائد وحدها، تعلن عمليًا أن الدائن يتقدم على المواطن في ترتيب الأولويات.