خفض محللون اقتصاديون توقعاتهم لنمو الاقتصاد المصري خلال العامين الجاري والمقبل، وفق استطلاع أجرته وكالة “رويترز”، وذلك على خلفية تداعيات الحرب على إيران، التي انعكست في ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل والإنتاج الصناعي، فضلًا عن تصاعد معدلات التضخم.
وأظهر متوسط تقديرات 12 خبيرًا اقتصاديًا، شملتهم الفترة من 8 إلى 23 إبريل، أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في مصر سيبلغ 4.6% خلال السنة المالية المنتهية في يونيو المقبل، مع توقعات باستمرار المعدل نفسه خلال السنة المالية التالية 2026-2027.
مراجعة نزولية مقارنة بتوقعات ما قبل الحرب
تشير هذه التقديرات إلى تراجع ملحوظ مقارنة باستطلاع سابق أُجري في يناير، قبل اندلاع الحرب، حيث توقع الاقتصاديون حينها نموًا عند مستوى 4.9%، مستندين إلى تحسن مؤشرات الاقتصاد بعد تطبيق إصلاحات هيكلية ضمن برنامج صندوق النقد الدولي قبل عامين، والتي بدأت نتائجها الإيجابية في الظهور تدريجيًا.
في هذا السياق، أوضح باسكال ديفو، الخبير الاقتصادي في بنك “بي إن بي باريبا” الفرنسي، أن أسعار الطاقة مرشحة للبقاء عند مستويات مرتفعة خلال الفترة المقبلة، حتى في حال عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها. وأشار إلى أن هذا الواقع سيؤدي إلى استمرار الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد المصري.
وأضاف ديفو أن التوقعات تشير إلى تباطؤ نسبي في النشاط الاقتصادي، دون الوصول إلى مرحلة الانكماش الحاد، في ظل استمرار العوامل الضاغطة.
تعافٍ نسبي بعد تراجع سابق
وكان الاقتصاد المصري قد شهد تباطؤًا ملحوظًا، حيث سجل معدل نمو بلغ 2.4% خلال الفترة 2023-2024، قبل أن يبدأ في التعافي تدريجيًا بعد مارس 2024، عقب اتخاذ الحكومة إجراءات اقتصادية شملت خفضًا كبيرًا في قيمة الجنيه ورفع أسعار الفائدة، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي يهدف إلى الحصول على تمويلات وضمانات ائتمانية من صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار.
وفي السياق ذاته، قام البنك المركزي المصري خلال الشهر الجاري بمراجعة توقعاته لنمو الاقتصاد خلال السنة المالية 2025-2026، حيث خفضها إلى 4.9% مقارنة بـ5.1% كانت متوقعة في فبراير الماضي، مرجعًا هذا التعديل إلى تداعيات الحرب على إيران.
تأثيرات ممتدة على القطاعات الحيوية
لا تقتصر آثار الأزمة على قطاع الطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل قطاعات حيوية أخرى، حيث يُتوقع أن تتأثر السياحة في مصر سلبًا، إلى جانب احتمال تباطؤ تدفقات تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج.
وفي هذا الإطار، صرّح قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، خلال كلمة ألقاها بمناسبة ذكرى تحرير سيناء، بأن مصر تكبدت خسائر تُقدّر بنحو 10 مليارات دولار نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس، في ظل انخفاض حركة مرور السفن.
ارتفاع متوقع لمعدلات التضخم
وعلى صعيد الأسعار، توقع الاستطلاع أن يبلغ متوسط معدل التضخم في مصر نحو 13.5% خلال السنة المالية 2025-2026، على أن يتراجع إلى 12% في 2026-2027. وتُعد هذه التقديرات أعلى من تلك الواردة في الاستطلاع السابق، والتي أشارت إلى معدلات 11.6% و9.1% على التوالي.
وفي هذا السياق، قال هاري تشيمبرز، المحلل الاقتصادي في “كابيتال إكونوميكس”، إن مستويات التضخم الحالية مرتفعة بالفعل، محذرًا من أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط وبقاء أسعار النفط عند مستويات عالية قد يؤديان إلى استمرار الضغوط التضخمية.
كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2% خلال مارس الماضي، مقارنة بـ13.4% في فبراير، وهو ما جاء أعلى من توقعات السوق.
السياسة النقدية وتحركات الفائدة
في مواجهة هذه الضغوط، خفّض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية خمس مرات خلال عام 2025، ثم مرة إضافية في فبراير الماضي، بإجمالي خفض تراكمي بلغ 825 نقطة أساس، في محاولة لدعم النشاط الاقتصادي وتخفيف الأعباء التمويلية.
على مستوى سعر الصرف، يتوقع محللون أن يشهد الجنيه المصري تراجعًا طفيفًا ليصل إلى نحو 51.58 جنيهًا مقابل الدولار بحلول نهاية يونيو 2026، مقارنة بمستواه الحالي البالغ حوالي 51.06 جنيهًا، وذلك في ظل الضغوط التي تعرض لها عقب ارتفاع الدولار إثر اندلاع الحرب على إيران في نهاية فبراير الماضي.
خلاصة المشهد الاقتصادي
تعكس هذه المؤشرات مجتمعة حالة من التحدي التي يواجهها الاقتصاد المصري، حيث تتقاطع العوامل الداخلية مع المتغيرات الجيوسياسية، لتفرض ضغوطًا على النمو والاستقرار السعري، في وقت تواصل فيه الحكومة والبنك المركزي العمل على احتواء التداعيات والحفاظ على مسار التعافي الاقتصادي.

