كشف النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب، عن ارتفاع القمار الإلكتروني في القرى بنسبة 40%، محذرًا من تطبيقات مراهنات تخترق البيوت وتستهدف الشباب والأطفال عبر الهواتف.
ويضع الرقم الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الدولة التي تراقب المحتوى السياسي وتلاحق المعارضين تركت منصات القمار والمحتوى المنفلت تتحرك داخل القرى بلا حماية اجتماعية أو رقابة رقمية فعالة.
قمار القرى يكشف غياب الرقابة الرقمية
أعلن أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن نسبة القمار الإلكتروني ارتفعت 40% في القرى، وقال إن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في المدن أو النوادي، بل انتقلت إلى الهواتف داخل البيوت والمناطق الفقيرة.
وبحسب تصريحات سابقة لبدوي، بدأت لجنة الاتصالات التحرك ضد تطبيقات مراهنات وصفها بأنها من أخطر التطبيقات المخالفة للقانون، وأكد أن الإجراءات تتم بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بعد رصد منصات تستهدف المصريين.
ثم تحدث بدوي في حوار سابق عن إعداد مذكرة بقائمة الألعاب والتطبيقات الخطرة، بعد الجدل حول ألعاب وتطبيقات تستهدف الأطفال، وأشار إلى جلسات حوارية لتحديد سن استخدام التكنولوجيا، بما يعني أن البرلمان يعرف الخطر منذ شهور ولم يتحول التحذير إلى حماية كافية.
في المقابل، يكشف انتشار القمار داخل القرى أن الحكومة تعاملت مع الأزمة كملف حجب تقني لا كملف اجتماعي واقتصادي، لأن التطبيق لا ينتشر وحده، بل يستغل الفقر والبطالة والدعاية الرقمية وسهولة الدفع والتحويلات داخل بيئة لا تملك حماية كافية.
لذلك، لا يكفي أن يعلن رئيس لجنة برلمانية أرقامًا صادمة عن ارتفاع القمار الإلكتروني، لأن السؤال الأهم يتعلق بدور وزارة الاتصالات والداخلية والتعليم والشباب في منع استهداف المراهقين والطلاب قبل تحويلهم إلى زبائن لمنصات مراهنات عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع الدكتور عمار علي حسن أن غياب العدالة الاجتماعية وضعف المجال العام يدفعان قطاعات من الشباب إلى البحث عن مخارج فردية سريعة، وتظهر المراهنات هنا كاستغلال مباشر لحالة الإحباط لا كاختيار ترفيهي عابر.
المراهنات تستغل الفقر وتطبع المخاطرة
بعد انتقال الظاهرة إلى القرى، لم تعد خطورة القمار الإلكتروني مالية فقط، لأن المنصات تقدم نفسها للشباب بوصفها فرصة ربح سهلة، ثم تحول الخسارة إلى دائرة استدانة وخداع ومطاردة نفسية، خصوصًا لدى من يبحثون عن دخل سريع خارج العمل المستقر.
وتشير مؤسسة غام كير البريطانية، المتخصصة في مساعدة المتضررين من القمار، إلى أن القمار يمكن أن يضر بالوضع المالي والصحة النفسية والعلاقات، كما أن مطاردة المكسب تعطي شعورًا مؤقتًا بالإثارة ثم تترك الخاسر أمام اليأس والضغط.
كما تقول الجمعية الأمريكية للطب النفسي إن اضطراب القمار يحمل مخاطر انتحار مرتفعة مقارنة باضطرابات إدمانية أخرى، وتذكر أن نسبة كبيرة من المقامرين المرضيين قد يفكرون في الانتحار أو يحاولونه، ما يجعل الملف قضية صحة عامة لا مخالفة أخلاقية فقط.
وبسبب هذا الخطر، يصبح حديث بدوي عن ارتفاع 40% في القرى إنذارًا اجتماعيًا واسعًا، لأن القرية التي تعاني أصلًا من ضعف فرص العمل وخدمات الشباب تصبح هدفًا سهلًا لتطبيقات تعد بالمكسب، ثم تسحب الأموال وتترك الأسر أمام ديون ونزاعات.
وفي هذا الإطار، يؤكد الطبيب النفسي الدكتور محمد المهدي في كتاباته ومداخلاته عن الإدمان السلوكي أن الإدمان لا يتوقف عند المواد المخدرة، لأن السلوكيات التي تمنح إثابة سريعة ومستمرة قد تتحول إلى اعتماد قهري، وهو ما ينطبق على المراهنات الرقمية.
وعلى مستوى الأسرة، يوضح الكلية الملكية للأطباء النفسيين أن اضطراب القمار يسبب أضرارًا عائلية تشمل الانشغال المستمر بالمراهنة، وزيادة الخلافات بسبب الديون، وتدهور العلاقات، إضافة إلى آثار صحية مثل القلق واضطراب النوم والاكتئاب.
لذلك، تصبح القرى أكثر تعرضًا للضرر عندما يغيب التثقيف الرقمي وتضعف الرقابة الأسرية وتنتشر الدعاية عبر التطبيقات ومجموعات التواصل، لأن الخسارة لا تبقى داخل هاتف شاب، بل تنتقل إلى ميزانية الأسرة وسلوك الأبناء وثقة المجتمع في القانون.
دولة تحجب السياسة وتترك منصات القمار
في الجانب القانوني، يسمح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 بمعاقبة من ينشئ أو يدير أو يستخدم موقعًا أو حسابًا بهدف ارتكاب أو تسهيل جريمة معاقب عليها قانونًا، وهو نص يفتح باب مواجهة تطبيقات المراهنات المخالفة.
لكن المشكلة لا تقف عند النصوص، لأن مصر تملك خبرة واسعة في الحجب والمراقبة عندما يتعلق الأمر بالمواقع السياسية والصحفية، بينما تكشف تصريحات بدوي أن تطبيقات القمار استطاعت الوصول إلى القرى ورفع نسب استخدامها من دون ردع مبكر أو إعلان خطة حماية.
كما أن الحديث البرلماني عن حجب مئات التطبيقات خلال الفترات المقبلة، وفق منشورات صحفية منسوبة لبدوي، يطرح سؤالًا عن سبب تأخر التحرك، خاصة إذا كانت هذه التطبيقات معروفة للجهات المختصة وقادرة على جذب ملايين المستخدمين داخل البلاد.
وبينما تركز الحكومة على المنع بعد الانتشار، يحتاج الملف إلى مسار مختلف يبدأ من المدارس ومراكز الشباب والوحدات المحلية، لأن المنصة الرقمية لا تهزم بالحجب فقط، بل تهزم بتوعية واضحة، وملاحقة مالية لشبكات التحويل، ودعم نفسي للأسر المتضررة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن أي ظاهرة رقمية خطرة تنتشر بسرعة عندما تترك الدولة الشباب بلا مساحات آمنة للتعبير والعمل والترفيه، ولذلك يحمل انتشار القمار الإلكتروني في القرى جانبًا من فشل السياسات الاجتماعية لا فشل التقنية وحدها.
كذلك يجب أن تشمل المواجهة المحتوى الإباحي والمحتوى الذي يطبع المجون والمخاطرة معًا، لأن المنصات الرقمية لا تفصل دائمًا بين الترفيه والمراهنة والإغراء، وتستدرج المستخدمين عبر إعلانات ومؤثرين وروابط جانبية لا تخضع لرقابة أسرية أو مدرسية كافية.
وفي الخلاصة، يكشف رقم 40% في القرى أن القمار الإلكتروني أصبح نتيجة مباشرة لدولة تملك أدوات مراقبة واسعة لكنها لا تستخدمها لحماية المجتمع بالقدر نفسه، وتترك الشباب بين فقر اقتصادي وفراغ اجتماعي وتطبيقات تراهن على خسارتهم قبل أموالهم.

