تعقد لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس النواب أولى جلسات الاستماع الموسعة لمشروع قانون الأحوال الشخصية، وتفتح الحكومة ملفا يمس ملايين الأسر المصرية بعد سنوات من التأجيل والغضب المجتمعي.

 

تدفع السلطة التشريع إلى مسار سريع تحت عنوان مخرجات الحوار الوطني، بينما تخشى قطاعات واسعة أن يتحول قانون الأسرة إلى قرار فوقي جديد يعيد ترتيب حياة الناس من دون إنصات كاف للمتضررين.

 

جلسات استماع واسعة تحت سقف استعجال رسمي

 

بدأت لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس النواب، برئاسة النائبة راندا مصطفى، جلسات استماع موسعة حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، وحضر الاجتماع ممثلون عن وزارات وهيئات رسمية وخبراء ومتخصصون، بهدف مناقشة الإطار التشريعي المنظم لشؤون الأسرة المصرية.

 

وبعد افتتاح الجلسات، ظهر اتجاه واضح داخل البرلمان نحو سرعة الانتهاء من المشروع، لأن رئيس لجنة حقوق الإنسان طارق رضوان قال إن مشروع قانون الأسرة سيحال قريبا إلى مجلس النواب، واعتبر أن القانون يمثل التزاما مرتبطا بمخرجات الحوار الوطني .

 

ثم أضاف طارق رضوان أن القانون يمس النسيج المصري من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، وقال إن التشريع الحالي مضى على صدوره أكثر من 75 عاما، وإن الواقع تغير جذريا، بما يستدعي تشريعا جديدا يواكب المتغيرات الحالية.

 

لكن هذا التسريع يثير قلقا مشروعا، لأن قانون الأحوال الشخصية لا ينظم ملفا إداريا محدودا، بل يحدد مصير الطلاق والنفقة والحضانة والرؤية والاستضافة والولاية التعليمية، وهذه الملفات تدخل يوميا في حياة الأطفال والأمهات والآباء أمام المحاكم ومكاتب التسوية.

 

وفي هذا السياق، قالت المحامية نهاد أبو القمصان إن المشكلة ليست خناقة بين الرجال والنساء، وإنما غياب دور الدولة وغياب تنظيم يجمع قضايا الأحوال الشخصية في ملف واحد، وطالبت بتدخل سريع يجمع النزاعات في مسار واحد خلال 30 يوما.

 

لذلك يبدو خطاب الحكومة عن الأولوية التشريعية ناقصا، لأن الأولوية لا تعني تمرير قانون حساس بسرعة، بل تعني فتح نقاش عام حقيقي، وإعلان نصوص واضحة، وسماع أصحاب القضايا، ومحاسبة مؤسسات العدالة البطيئة التي حولت قضايا الأسرة إلى نزيف يومي.

 

النفقة والحضانة والرؤية في قلب الأزمة

 

تناولت جلسات الاستماع قضايا النفقة والولاية التعليمية وسن الحضانة وتنظيم الرؤية والاستضافة، وهي قضايا طالما أثارت خلافات واسعة في المجتمع المصري، لأن كل بند فيها يرتبط بمصلحة طفل أو حق أم أو علاقة أب بأبنائه بعد الانفصال.

 

وبالتوازي، نشرت تقارير صحفية أن الجدل حول القانون زاد خلال الأشهر الماضية، لأن آباء يتهمون أمهات باستغلال الأطفال ومنع الرؤية، بينما تتهم أمهات حاضنات أزواجا سابقين بالامتناع عن الإنفاق والتحايل لعدم إثبات الدخل أمام المحاكم.

 

وبناء على ذلك، لا تستطيع الحكومة أن تختصر الأزمة في صياغة قانونية جديدة، لأن المشكلة تمتد إلى بطء التقاضي، وضعف تنفيذ أحكام النفقة، وتضارب الرؤية حول الحضانة، وغياب آلية عادلة تحمي الطفل من استخدامه في صراع الكبار.

 

كما عرضت تقارير برلمانية مسائل خلافية داخل المشروع، بينها الاستضافة ومبيت الصغير، وحددت بعض الصيغ المنشورة أن الاستضافة قد تشمل مبيت الطفل بحد أقصى يومين كل شهر، وأنها تسقط عند امتناع طالبها عن دفع النفقة دون عذر مقبول.

 

غير أن هذه النصوص تحتاج تدقيقا علنيا قبل تمريرها، لأن أي خلل في صياغة الاستضافة أو الرؤية أو الحضانة قد يفتح بابا جديدا للنزاع، وقد يضع الطفل بين طرفين متخاصمين من دون حماية كافية من التعسف أو الابتزاز.

 

وفي هذا الإطار، قالت المحامية الحقوقية عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، إن النقاش الحالي محبط، واعتبرت أن فلسفة بعض واضعي القوانين تنطلق من تصور ينتقص من النساء، وطالبت بقانون يرتكز على العدالة والمساواة والمواطنة.

 

لذلك تصبح قضية النفقة والحضانة والرؤية اختبارا لجدية الدولة، لأن الحكومة التي تتحدث عن تماسك الأسرة يجب أن تضمن أولا حق الطفل في النفقة السريعة، وحق الأم في الحماية القانونية، وحق الأب غير المتعسف في علاقة منظمة مع أبنائه.

 

الإعلام والدراما لا يعوضان غياب العدالة

 

ناقشت الجلسات دور الإعلام والدراما في تشكيل الوعي الأسري، وجرى الحديث عن أهمية تقديم محتوى يعزز الاستقرار والتماسك، إلى جانب التوسع في برامج الإرشاد الأسري والتأهيل قبل الزواج، كأدوات مساعدة في مواجهة التوتر داخل الأسرة.

 

ومع ذلك، لا يستطيع الإعلام أن يعالج عيوب القانون أو بطء المحاكم، لأن الدراما لا تنفذ حكما بالنفقة، والبرامج لا تمنع التحايل على الدخل، وحملات التوعية لا تعوض غياب نصوص عادلة وإجراءات سريعة وواضحة داخل منظومة التقاضي.

 

ثم يطرح الحديث عن التوعية سؤالا عن ترتيب الأولويات، لأن السلطة تستخدم الإعلام كثيرا لترويج القرارات بعد صدورها، بينما يحتاج قانون الأحوال الشخصية إلى نقاش سابق على الإقرار، تشارك فيه الأسر المتضررة والمحامون والباحثون والأطباء النفسيون ومؤسسات المجتمع المدني.

 

وفي بيان مشترك حديث، طالبت مؤسسات نسوية وحقوقية بينها مؤسسة المرأة الجديدة ومركز النديم ومؤسسة القاهرة للتنمية والقانون ومركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية بمحددات أساسية لقانون أكثر عدلا، ووضعت المواطنة والمساواة والأهلية القانونية في قلب النقاش.

 

ومن ناحية أخرى، يؤكد حضور الخبيرات والحقوقيات المستقلات أن الأزمة لا تخص البرلمان وحده، لأن منظمات مثل مؤسسة قضايا المرأة المصرية والمركز المصري لحقوق المرأة ومؤسسة المرأة الجديدة راكمت خبرة طويلة في قضايا النفقة والطلاق والحضانة أمام المحاكم.

 

وعلى هذا الأساس، يمثل رأي نهاد أبو القمصان وعزة سليمان ومؤسسات الحركة النسوية المستقلة إنذارا مبكرا، لأن القانون إذا خرج من غرف مغلقة فلن ينهي النزاعات، بل قد ينقل الصراع إلى مرحلة أوسع داخل المحاكم ومراكز الشرطة ومكاتب التسوية.

 

قانون الأسرة بين حاجة الإصلاح وخطر الوصاية

 

يعكس الحراك البرلماني الحالي إدراكا رسميا بأن قوانين الأسرة لم تعد مواكبة للتحولات المجتمعية، لكن هذا الإدراك لا يكفي إذا تعاملت الحكومة مع ملايين الأسر كملف تنظيمي يمكن حسمه بجدول برلماني سريع وتصريحات عن الحوار الوطني.

 

وبسبب حساسية القانون، يجب أن يتحول النقاش من إعلان النوايا إلى ضمانات منشورة، تبدأ بنصوص واضحة حول النفقة والحضانة والولاية التعليمية والرؤية والاستضافة، وتمتد إلى آليات تنفيذ تمنع تهرب القادرين من النفقة وتمنع استخدام الطفل أداة ضغط.

 

كما يجب أن تعترف الدولة بأن الأسرة المصرية دفعت ثمن تشريعات مؤجلة ومحاكم مرهقة وإجراءات متكررة، وأن أي قانون جديد لا يختصر زمن التقاضي ولا يوحد ملفات النزاع ولا يحمي الأطفال فعليا سيعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.

 

وفي النهاية، لا يحتاج قانون الأحوال الشخصية إلى دعاية عن التماسك الأسري بقدر ما يحتاج إلى عدالة قابلة للتنفيذ، لأن الأسرة لا تستقر بخطابات البرلمان، بل تستقر عندما يشعر الطفل بالحماية، وتشعر الأم بالأمان، ويشعر الأب بأن القانون لا يستخدمه ولا يستبعده.

 

لذلك تتحمل الحكومة والبرلمان مسؤولية مباشرة أمام المجتمع، لأن تمرير قانون ناقص أو متسرع سيجعل الملايين يدفعون ثمن الخلل من حياتهم اليومية، بينما يمنح قانون عادل ومعلن ومسنود بآليات تنفيذ فرصة حقيقية لتقليل النزاعات لا لتدويرها.