عبد الناصر سلامة
رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق
في يوليو عام 2021، اعتقلني جهاز الأمن الوطني في مصر، في أعقاب مقال انتقدت فيه الموقف الرسمي للدولة تجاه مجموعة قضايا، من بينها أزمة سد النهضة الإثيوبي، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر، وعن حقول غاز في البحر المتوسط. واستمر الاعتقال عاما كاملا في أحد أشد السجون المصرية قسوة، سجن العقرب، حيث النوم على أرض خرسانية، دون أسرّة، أو مراتب، ودون الخروج من الزنزانة للتريض، ولو ساعة واحدة يوميا، للاستفادة من الشمس أو استنشاق هواء نقي، ودون الحصول على أي حقوق طبيعية، كأداة لحلاقة الذقن أو قص الأظافر، أو الحصول على كتب للقراءة أو صحف، أو حتى قلم وورقة، أو أي شيء من هذا القبيل.
المهم أن عملية الاعتقال جاءت عشية وقفة عيد الأضحى المبارك، فيما بدا أنه تنكيل مقصود في حد ذاته، كما أنها تمت في مدينة الإسكندرية التي تبعد عن القاهرة نحو 210 كيلو مترا، والتي كنت قد وصلت إليها في اليوم نفسه، فيما بدا أيضا أنه إجراء مقصود. وقد قضيت الليل في جهاز الأمن الوطني، ثم في الصباح تم ترحيلي إلى نيابة أمن الدولة في التجمع الأول بالقاهرة، معصوب العينين ومكبل اليدين، طوال الطريق على مدى أكثر من ثلاث ساعات، ثم خضعت للتحقيق على مدى عشر ساعات كاملة، كان القرار في نهايتها بالحبس، حيث تم ترحيلي إلى السجن في منتصف الليل، إلى غرفة انفرادية كبيرة ذات سقف مرتفع جدا، كانت درجة الحرارة ليلا في الشتاء تتدنى إلى الصفر، وفي الصيف ترفع إلى ما فوق الـ45 درجة.
بالتأكيد كنت أمام حالة من الموت البطيء، حيث ارتفعت نسبة الـ"يوريك آسيد" في الجسم، إلى حد تورمت بسببه قدماي، نتيجة التناول المفرط للبقوليات خاصة الفول والعدس، كما تراجع كل من فيتامين "B" و"D" في الجسم إلى الحد الذي كانت تتشنج معه أطراف اليدين، ناهيك عن صداع مزمن، وهذيان، إلى غير ذلك مما أحاول نسيانه. وكنت كل 45 يوما يُزج بي إلى المحكمة، فيتم إيداعي في زنزانة تحت الأرض عدة ساعات، بعدها يعودون بي إلى السجن، بعد أن تقرر المحكمة مد فترة الحبس 45 يوما أخرى، دون أن أرى هيئة المحكمة، أو حتى القاعة، ولو مرة واحدة! إلى أن "تكرمت" الدولة بالإفراج عني بعد عام بالتمام والكمال.
المشهد تكرر الأربعاء الماضي (22 أبريل)، ولكن بطريقة أكثر رقيا وتحضرا هذه المرة، عل وعسى أن يكون توجها جديدا، حيث تم إخطار نقابة الصحفيين بمثولي أمام نيابة أمن الدولة العليا، وقد سبق ذلك حملة سب وقذف قام بها أحد مذيعي البرامج التليفزيونية، بتكليف أمني كما هو واضح، على خلفية مقال نشر لي في جريدة "القدس العربي"، وهو ما كان سببا في وضوح الرؤية حول سبب الاستدعاء. وفي أعقاب التحقيقات، كان القرار مختلفا هذه المرة، وهو الإفراج مقابل كفالة مالية قدرها 20 ألف جنيه مصري، وهو تقليد جديد شاهدناه أكثر من مرة في الآونة الأخيرة، ممثلا في الإفراج بكفالات مالية كبيرة، قد يكون أقلها الـ20 ألف جنيه.
الفرق بين حالة الاعتقال الأولى وحالة الاستدعاء الثانية، شاسع من نواحي عديدة، على الرغم من أن القانون يمنع حبس الصحفيين احتياطيا في قضايا النشر، بالتالي لا يجب أبدا أن يكون هناك حبس، أو حتى الإفراج بكفالة، فما بالنا إذا كنا هنا أمام وقائع تتعلق بحرية الرأي، أو التعبير عن الرأي، ذلك أن التهمة الرائجة أو الفضفاضة المتعلقة بنشر أخبار كاذبة، لا مجال لها هنا، لأننا لا ننشر أخبارا، كاذبة كانت أو صادقة، إنما جرت العادة أن ننشر تحليلا لخبر تم التصريح به على لسان مسؤول رسمي، وقد يتضمن المقال تحذيرا، أو تنبيها، أو توضيحا، أو حتى انتقادا لأوضاع معينة، غابت عن هذا الوزير أو عن ذلك المسؤول.
المثال الأبرز هنا، حينما خرج وزير مالية مصر على الملأ ذات يوم، من خلال قناة تلفزيونية على الهواء مباشرة يقول: سوف نسدد هذا العام 541 مليار جنيه فوائد ديون، و276 مليارا أقساط ديون، بما مجموعه 817 مليار جنيه، بينما موازنة الدولة ككل 998 مليار جنيه، أي أن المتبقي للدولة أو للموازنة نحو 80 مليار جنيه، وكان السؤال الطبيعي: من أين سنعيش إذن؟ فكان الرد الصاعق: سوف نقترض!!
السؤال هنا يتمثل في الآتي،: لو أننا تناولنا مثل هذا الحوار أو التصريح في مقال، نطالب من خلاله الوزير بالكشف عن سب الاقتراض منذ البداية، وهل جرت دراسات في هذا الشأن، وإلى أين ذهبت هذه الأموال بالتفصيل، وكيف تقترض وأنت تعلم أنك لن تستطيع السداد، إلى غير ذلك من استفسارات، هل يمكن اعتبار ذلك نشر أخبار كاذبة، أم أن الوزير هو الذي نشر وقال وصرح، وما كاتب المقال إلا معقب على ما قيل؟ هذه هي القضية التي نحن بصددها الآن، فيما يتعلق بكُتّاب المقالات بشكل عام، والخلط لدى الجهات الأمنية بين الخبر والرأي، وهو ما نأمل في مراعاته مستقبلا.
الأمر الآخر، هو أن هناك الكثير من كتاب الرأي، ومن بينهم كاتب هذه السطور، ممنوعون من الكتابة في الصحف المصرية، حتى لو بدون قرارات معلنة، فلا أحد يستطيع أو يجرؤ على نشر مقال مذيل باسمي، حتى لو كان المقال يشيد بسياسات الحكومة. الآن نكتب في صحف ومواقع مغلقة على القارئ في مصر، بما يعني أن الاتهامات المعلّبة الأخرى، وهي تكدير السلم العام، أو تحريض الناس أو تعبئتهم، إلى غير ذلك من اتهامات؛ لا مجال لها، ذلك أننا فقط نخاطب المسؤولين، بحكم أنهم يستطيعون قراء هذه المقالات من خلال فك شفرتها أمنيا، بدليل أن المقالات التي كان يتم التحقيق معي بشأنها، كانت مطبوعة ورقيا أمام المحقق المحترم.
نحن إذن أمام أزمة ما ينبغي أبدا أن تكون، بل يجب التعامل معها مستقبلا من خلال أحد مسارين؛ إما فتح مجال الكتابة والتعبير في الداخل المصري، ولو بنسبة معقولة، وإما تقييم كتابات الخارج بإنصاف لما فيه صالح الدولة، لأن الشأن المصري يجب ألا يغيب عن الفضاء الدولي أو الإقليمي، إعلاميا بشكل خاص، لأسباب كثيرة؛ أهمها حجم مصر السياسي والجغرافي والتاريخي، والذي لا يجوز أبدا تقزيمه أو حتى التعتيم عليه، سواء بسلاح الحبس أو مطرقة الكفالة.

