يرى العلامة د. يوسف القرضاوي في إحدى مقالاته، أن الأسرة في الإسلام تقوم على رباط شرعي معلن، يجمع بين رجل وامرأة في زواج يباركه الله ويقره المجتمع، وتترتب عليه حقوق وواجبات تحفظ الكرامة، وتصون النسب، وتفتح باب المودة والرحمة. ومن هذا الرباط تبدأ الحياة الأسرية في صورتها الأولى، ثم تتسع بالأبناء والبنات، فتظهر معاني الأمومة والأبوة والبنوة، وتتشكل داخل البيت أول مدرسة يتعلم فيها الإنسان الحب والطاعة والبر والمسؤولية.

 

وقد جعل الإسلام الأسرة أساسًا من أسس العمران الإنساني، وربطها بمقاصد كبرى لا تقف عند الإنجاب وحده، بل تمتد إلى التربية والرعاية وحفظ الفطرة وبناء الإنسان الصالح. فالطفل لا يحتاج إلى طعام وكساء فقط، وإنما يحتاج إلى أم تحنو، وأب يرعى، وبيت يمنحه الأمان، ومنهج تربوي يوازن بين الرحمة والحزم، وبين الحقوق والواجبات، حتى ينشأ عضوًا نافعًا في أمته ومجتمعه.

 

الزواج أساس الأسرة وحفظ النسب

 

تبدأ الأسرة بزوجين يجمعهما الزواج الشرعي المعلن، وهو رباط مقدس يقوم على الرضا والوضوح والمسؤولية. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النعمة بقوله تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً}، فالأبناء امتداد طبيعي لهذا البناء، وهم ثمرة الميثاق الذي يحفظ الحقوق ويصون الأعراض والأنساب.

 

ومن هنا يحذر د. يوسف القرضاوي من كل ما يهدد معنى الأمومة والأبوة أو يخلط الأنساب ويضيّع هوية الطفل. فالأمومة ليست مجرد رابطة بيولوجية جامدة، بل هي حمل وولادة ومعاناة وحنان وتربية، ولذلك فإن تقسيم الأمومة بين أكثر من امرأة يربك معنى الأمومة الذي عظّمته الشرائع وربطته بالبر والإحسان.

 

كما أن حرمان الطفل من أبيه أو نسبه جريمة أخلاقية واجتماعية كبرى، لأن الطفل لا ذنب له في خطأ الكبار. فالزنى وانتشار الإباحية يتركان خلفهما أطفالًا محرومين من الدفء العائلي والانتماء الواضح، وقد يعيش بعضهم كأنه يتيم الأبوين وهما على قيد الحياة، أو مجهول الأبوين، وهذه من أقسى صور الظلم التي تقع على الطفولة.

 

بر الوالدين ورعاية الأمومة

 

عندما يولد الأبناء تنشأ معاني الأمومة والأبوة، وهما من أعمق منابع الرحمة والإيثار في حياة الإنسان. وقد جعل الإسلام للوالدين حقًا عظيمًا على الأبناء، وأمر بالبر والإحسان إليهما، فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، ثم نهى عن أقل صور التضجر بقوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}.

 

وقد شدد الإسلام على حق الأم خاصة، لأنها حملت ووضعت وأرضعت وربت، ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالأم ثلاث مرات، ثم ذكر الأب في المرة الرابعة. وهذا لا ينتقص من مقام الأب، ولكنه يلفت النظر إلى ما تتحمله الأم من مشقة جسدية ونفسية في سبيل ولدها.

 

ولا تقتصر رعاية الأمومة على الأبناء وحدهم، بل تتحمل الأمة والمجتمع جزءًا من هذه المسؤولية. فالمرأة العاملة التي تحمل وتلد وترضع تؤدي وظيفة إنسانية واجتماعية عظيمة، ولذلك ينبغي أن تُراعى ظروفها، وأن تحصل على إجازة أمومة مناسبة وبراتب كامل، لأنها لا تتوقف عن العطاء، بل تمارس دورًا أساسيًا في إعداد الإنسان وبناء المجتمع.

 

وقد أشار د. يوسف القرضاوي إلى معنى مهم في تقدير عمل الأم داخل بيتها، مستشهدًا بما ذكره البروفيسور جاري بيكر، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، من أن المرأة التي ترعى أولادها وتحسن تنشئتهم تسهم في تنمية الاقتصاد القومي بنسبة كبيرة. وهذا يبين خطأ من يظن أن الأم المتفرغة لبيتها عاطلة أو بعيدة عن الإنتاج.

 

التربية المتكاملة بين الرحمة والحزم

 

تربية الطفل في الإسلام ليست مهمة عابرة، لأن الطفولة الإنسانية طويلة وتحتاج إلى رعاية وصبر وتعليم وتأديب. فالطفل يحتاج إلى من يرعى جسده وروحه وعقله وخلقه، ولهذا كانت مسؤولية الأبوين مشتركة، لأنهما سبب وجوده بعد الله، وهما أول من يؤثر في وجدانه وسلوكه واتجاهه.

 

ومن أول حقوق الطفل الرضاعة الطبيعية، لأنها ليست مجرد غذاء يصل إلى الجسد، بل علاقة حنان ودفء وطمأنينة بين الطفل وأمه. فالطفل حين يلتصق بصدر أمه لا يأخذ اللبن وحده، وإنما يأخذ معه الأمان العاطفي والرحمة القلبية، ولذلك لا يعادل لبن الأم لبن صناعي، ولا يعوض دفء الأم بديل مادي مجرد.

 

وتشمل التربية المتكاملة غرس الإيمان والعبادة، وتنمية الفهم والثقافة، وتعليم الأدب والفضيلة، والعناية بالنظافة والرياضة، وتربية الطفل على حب الخير وخدمة المجتمع، والولاء لأمته وعقيدته، والشعور بالجمال في الكون من حوله. وهذه المهمة لا يقوم بها المال وحده، ولا يكفي فيها أن يوفر الأب حاجات البيت المادية ثم يغيب عن التوجيه والرعاية.

 

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، فالوالدان مسؤولان أمام الله عن أبنائهما، ولا يجوز أن يتخلى أحدهما عن دوره أو يترك التربية للشارع أو الإعلام أو الصحبة السيئة.

 

ومن تمام هذه المسؤولية أن يتفق الأب والأم على منهج واحد في التربية، فلا يكون الأب قاسيًا غليظًا، ولا تكون الأم مسرفة في التدليل، بل يجتمعان على الوسطية التي تجمع بين الرحمة والانضباط. وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من جفا أولاده وامتنع عن تقبيلهم، وقال له: "من لا يرحم لا يُرحم"، فالتربية في الإسلام لا تقوم على القسوة، ولا تنهض بالتسيب، وإنما تبنى على رحمة واعية وحزم عادل.

 

اليتيم أمانة في عنق المجتمع

 

اعتنى الإسلام باليتيم عناية عظيمة، وجعل كفالته من أعظم القربات إلى الله عز وجل. وقد طلب من المجتمع أمرين أساسيين؛ أولهما حفظ مال اليتيم وعدم الاعتداء عليه، كما قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وثانيهما حفظ كرامته ونفسيته، فلا يُقهر ولا يُهان، كما قال سبحانه: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}.

 

غير أن اليتم لا يكون دائمًا بموت الأبوين فقط، فقد يعيش الطفل بين أبوين مشغولين عنه، لا يجد منهما حنانًا ولا توجيهًا ولا حضورًا. وهذا المعنى عبّر عنه أحمد شوقي حين قال إن اليتيم الحقيقي هو من يجد أمًا تخلت أو أبًا مشغولًا. فالمشكلة ليست في غياب الجسد وحده، بل في غياب الرعاية والرحمة والمسؤولية.

 

وبذلك يقرر د. يوسف القرضاوي أن الأسرة في الإسلام ليست شكلًا اجتماعيًا فارغًا، بل رسالة إيمانية وإنسانية، تبدأ بزواج شرعي يحفظ النسب، وتمتد ببر الوالدين، وتكتمل بتربية الأبناء على الرحمة والإيمان والخلق، ثم تتسع لتشمل اليتيم وكل طفل يحتاج إلى حضن آمن ورعاية كريمة.