قفز سعر الدولار في مصر مجددًا فوق مستوى 52 جنيهًا في عدد من البنوك خلال تعاملات الخميس 23 أبريل، بينما ظهر المشهد المصرفي في صورة دفاعية واضحة، بعد أسابيع قليلة من تراجع العملة الأميركية من ذروة قاربت 55 جنيهًا في بداية أبريل. هذا الصعود الجديد لم يأت من فراغ، بل تزامن مع ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، وصعود الدولار عالميًا، وهي عوامل تضغط مباشرة على دولة تستورد الطاقة وتعتمد على تدفقات المحافظ الأجنبية لسد فجواتها التمويلية. وفي هذا التوقيت، لم تعد مسألة سعر الصرف مجرد حركة سوق عابرة، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لاقتصاد شديد الحساسية للصدمات الخارجية، ولحكومة ما زالت تدير الأزمة بمنطق الاحتواء المؤقت لا بمنطق العلاج الهيكلي.

 

وفي الخلفية، تكشف الأرقام الرسمية نفسها أن الدولة لم تتجاوز الاختلالات الأساسية، رغم تحسن بعض المؤشرات الدولارية في الشهور الماضية. فصافي الاحتياطيات الدولية ارتفع إلى 52.831 مليار دولار في نهاية مارس، وتحويلات المصريين بالخارج سجلت 41.5 مليار دولار خلال 2025، كما صعد صافي الأصول الأجنبية إلى مستوى قياسي بلغ 29.54 مليار دولار في يناير. لكن هذه الأرقام لم تمنع عودة الضغوط سريعًا مع اندلاع الحرب وتعطل التجارة والطاقة، لأن التحسن ظل قائمًا على تدفقات قابلة للارتداد، لا على توسع إنتاجي يخفف فاتورة الاستيراد أو يحمي الجنيه من القفزات المفاجئة. لذلك جاء رفع عائد الشهادات إلى 17.25% كإجراء دفاعي جديد يهدف إلى جذب السيولة المحلية وحبسها داخل البنوك، لا كدليل على قوة اقتصادية مستقرة.

 

الدولار يرتفع من جديد لأن الجنيه ما زال مكشوفًا أمام صدمات الخارج

 

في بداية التعاملات الصباحية اليوم الخميس، سجل بنك التنمية الصناعية أعلى سعر لصرف الدولار عند 52.55 جنيهًا للشراء و52.65 جنيهًا للبيع، بينما جاء أقل سعر في بنك أبوظبي التجاري عند 51.93 جنيهًا للشراء و52.03 جنيهًا للبيع. كما سجل البنك الأهلي المصري 52.52 جنيهًا للشراء و52.62 جنيهًا للبيع، في حين أظهر سعر البنك المركزي مستوى يدور قرب 51.96 جنيهًا للشراء و52.06 جنيهًا للبيع.

 

ثم بدا واضحًا أن هذا الصعود المحلي يتصل مباشرة بالمشهد الخارجي، لأن الدولار العالمي تحرك قرب أعلى مستوى له في أسبوع ونصف الأسبوع مع استمرار الحرب وتعثر التفاهمات، بينما ارتفع خام برنت إلى 103.38 دولارات للبرميل يوم 23 أبريل، وسط استمرار القيود على عبور السفن في مضيق هرمز الذي كان يحمل نحو 20% من الإمدادات اليومية العالمية قبل الحرب.

 

وبعد ذلك، ظهر أثر هذه الصدمة على مصر بسرعة لأن وكالة رويترز وثقت أن الحرب دفعت مستثمرين أجانب إلى بيع أدوات دين مقومة بالجنيه، مع تقديرات بخروج ما بين 5 و8 مليارات دولار منذ 28 فبراير، وهو ما ساعد على انتقال سعر الصرف من نحو 47 جنيهًا قبل الحرب إلى أكثر من 52 جنيهًا بعدها. هذا التطور يوضح أن الجنيه يتحسن حين تتدفق الأموال الساخنة، ويتراجع حين تنسحب.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح لرويترز إن مستوى صافي الأصول الأجنبية القياسي يمنح الدولة قدرة على امتصاص الصدمة، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن استمرار الحرب قد يدفع الدولار فوق 55 جنيهًا بفعل ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة. هذه الشهادة لا تنفي الخطر، بل تؤكد أن أدوات الصمود الحالية مؤقتة ومشروطة بزمن الأزمة.

 

رفع عائد الشهادات إلى 17.25% يكشف دفاع البنوك عن السيولة لا تعافي السوق

 

بعد عودة الضغط على الجنيه، اتجه أكبر بنكين حكوميين إلى رفع العائد الشهري على الشهادات الثلاثية الثابتة. بنك مصر أعلن في 21 أبريل تعديل عائد شهادة “القمة” إلى 17.25% بدلًا من 16% اعتبارًا من 22 أبريل، بينما أظهرت القوائم المعلنة في اليوم التالي تثبيت هذا المستوى ضمن أسعار العائد الرسمية المحدثة. هذه الخطوة جاءت قبل أسابيع من اجتماع السياسة النقدية التالي.

 

ثم زادت دلالة القرار لأن البنك المركزي كان قد أبقى في 2 أبريل سعر الفائدة على الإيداع عند 19% وسعر الإقراض عند 20%، معلنًا عمليًا وقف مسار التيسير النقدي الذي بدأه سابقًا بسبب مخاطر التضخم المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة. معنى ذلك أن البنوك تحركت لامتصاص السيولة في وقت اختار فيه المركزي الانتظار والحذر.

 

ومن هنا، تكتسب ملاحظة الخبير الاقتصادي هاني جنينة أهمية خاصة، لأنه قال في مقابلة مع “العربية Business” في 2 أبريل إن سعر الصرف قد يتحرك في نطاق 54 إلى 55 جنيهًا إذا استمرت التوترات الجيوسياسية، كما رأى أن تثبيت الفائدة كان الخيار الأنسب في ظل هذه الضغوط. حديثه يربط بين كلفة الحرب وبين لجوء السوق إلى أدوات ادخارية أعلى عائدًا.

 

وبالتوازي، توقع محمد أبو باشا رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي في “إي إف جي هيرميس” إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير بسبب استمرار عدم اليقين بشأن الحرب وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا بالتزامن مع ضعف الجنيه. هذا التقدير، الذي سبق قرار المركزي، يوضح أن رفع عوائد الشهادات لم يكن تحسينًا اعتياديًا للمنتجات المصرفية، بل استجابة مباشرة لقلق نقدي وسعري متصاعد.

 

التحسن السابق في التحويلات والاحتياطي لم يحم الاقتصاد من فاتورة الطاقة والحرب

 

قبل هذه الموجة، كانت الحكومة تروج لتحسن وضع العملة مستندة إلى ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج إلى 41.5 مليار دولار خلال 2025، وصعود صافي الأصول الأجنبية إلى 29.54 مليار دولار في يناير، وبلوغ الاحتياطيات 52.831 مليار دولار في مارس. لكن هذه المؤشرات لم تمنع عودة السوق إلى القلق، لأن بنيتها اعتمدت على تدفقات مالية سريعة التأثر بالتوترات.

 

وبعد اندلاع الحرب، اتسعت فاتورة الخطر لأن رويترز نقلت عن مصادر وتحليلات أن مصر تواجه زيادة حادة في تكاليف الطاقة، وأن وزارة المالية قدرت سابقًا أن الحرب ضاعفت فاتورة استيراد الطاقة، فيما قدرت “مورجان ستانلي” أن استمرار المواجهة وتعطل العبور قد يرفع فاتورة واردات الطاقة بين 1 و2.4 مليار دولار خلال ما تبقى من السنة المالية.

 

وفي هذا الإطار، قدرت نعمت الله شكري رئيسة البحوث في “إتش سي” أن ارتفاع الكلفة قد يضاعف مخصصات دعم المواد البترولية المدرجة في موازنة السنة المالية الحالية، بينما قال النائب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد لرويترز إن ارتفاع الشحن والتأمين بدأ يعرقل الصادرات خلال أيام من الحرب. هنا يظهر أن أزمة الدولار ليست مصرفية فقط، بل مرتبطة مباشرة بتكلفة الاستيراد والإنتاج والتجارة.

 

ثم جاءت بيانات ميزان المدفوعات لتؤكد هشاشة الوضع رغم التحسن النسبي، إذ أعلن البنك المركزي في 14 أبريل تراجع عجز الحساب الجاري خلال النصف الأول من السنة المالية 2025-2026 إلى 9.5 مليارات دولار، مدفوعًا بزيادة التحويلات وصافي تدفقات المحافظ. غير أن هذا التحسن نفسه يعتمد على بنود سريعة التقلب، ويظل معرضًا للتراجع كلما ارتفعت فاتورة الطاقة أو تعطلت تدفقات التجارة والتمويل.

 

وفي المحصلة، لا تكشف قفزة الدولار فوق 52 جنيهًا مجرد حركة يومية في شاشات البنوك، بل تكشف اقتصادًا ما زال معلقًا بين حرب إقليمية مفتوحة وسياسة داخلية تعتمد على تهدئة السوق بالفائدة وجذب الأموال السريعة. الحكومة تستند إلى التحويلات والاحتياطي والشهادات، لكنها لا تقدم حماية دائمة للجنيه ما دام الاستيراد مرتفعًا والطاقة مكلفة والتمويل الأجنبي متقلبًا. لذلك يبدو الصعود الحالي للدولار إنذارًا جديدًا بأن الأزمة لم تنته، وأن إدارة الدولة ما زالت تؤجل كلفة الخلل بدلًا من معالجته من جذوره.