في قرار جديد يكشف مرة أخرى أن وزارة التربية والتعليم تدير ملف التقييم برد الفعل لا برؤية مستقرة، أعلنت الوزارة إلغاء الأسئلة متحررة المحتوى من امتحانات المرحلتين الابتدائية والإعدادية في الفصل الدراسي الثاني لعام 2026، مع إلزام واضعي الامتحانات بالاعتماد على الكتاب المدرسي وكتيبات التقييم فقط، وبإعداد 3 نماذج امتحانية مختلفة لكل مادة بوزن نسبي واحد. القرار صدر بعد شكاوى من أولياء أمور خلال الفصل الدراسي الأول بشأن تطابق بعض الأسئلة المتحررة مع ما تداوله ناشرو الكتب الخارجية لا مع كتب الوزارة، وهو ما يعني أن الوزارة لم تضبط السوق التعليمي إلا بعد أن تركته يتضخم ثم عادت لتعالج النتيجة لا السبب. كما حددت الوزارة مواعيد الامتحانات من 2 إلى 7 مايو لاختبار شهر أبريل، ثم من 11 مايو للمواد غير المضافة للمجموع، ومن 16 إلى 24 مايو للمواد الأساسية.
هذا القرار لا يمكن فصله عن أزمة أعمق داخل المدارس المصرية، لأن الوزارة تقدم التراجع في شكل إنجاز إداري بينما تكشف الوقائع أن المنظومة نفسها عجزت عن حماية الامتحان من نفوذ الكتب الخارجية، ثم اختارت الحل الأسهل وهو تضييق مساحة السؤال بدل إصلاح بيئة التعليم. الوزارة تقول إنها تريد امتحانًا يقيس التحصيل الفعلي من المنهج، لكن هذا التبرير يصطدم بسؤال مباشر عن مسؤولية الدولة في بناء أسئلة منضبطة داخل المنهج نفسه من دون السقوط في النقل الحرفي أو الحفظ الجامد. كما أن الجدل الذي تلا القرار لم يأت من فراغ، لأن الوزارة نفسها ظلت لسنوات تتحدث عن تطوير التعليم والابتعاد عن التلقين، ثم عادت الآن إلى صيغة تمنح الطالب رسالة واحدة واضحة مفادها أن المطلوب هو استرجاع ما في الكتاب لا اختبار الفهم في موقف جديد.
قرار حكومي يعترف بفشل ضبط الامتحان لا بحماية الطالب
ثم إن الصياغة التنفيذية للقرار تكشف أن الوزارة لم تكتف بإلغاء الأسئلة متحررة المحتوى، بل شددت أيضًا على الالتزام بمواصفات الورقة الامتحانية الصادرة من المركز القومي للامتحانات، وعلى أن تكون الأسئلة واضحة في صياغتها، مع إعداد 3 نماذج مختلفة بوزن نسبي واحد لصفوف النقل. هذا التشديد الإداري يؤكد أن الوزارة كانت تتحرك تحت ضغط أزمة قائمة داخل المدارس لا ضمن خطة إصلاح معلنة مسبقًا.
وبالتالي فإن تبرير الوزارة القائم على حماية الطالب من مصادر خارجية يكشف في الوقت نفسه أن الدولة تركت الطالب سنوات بين الكتاب الرسمي والكتاب الموازي، ثم عادت لتعلن فجأة أن المرجع الوحيد هو كتاب الوزارة وكتيبات التقييم. هذا التحول لا يعبر عن استقرار في السياسة التعليمية، بل يعبر عن عجز متكرر في ضبط ما يدخل الفصل وما يهيمن على الامتحان.
كما أن الدكتور تامر شوقي، أستاذ التقويم التربوي بجامعة عين شمس، قال إن القرار يحقق فوائد تربوية في هذه المراحل العمرية، منها تخفيف الضغوط النفسية والأعباء المعرفية، وإتاحة فرصة أكبر للتركيز على المقرر، وتقليل التباين بين الإدارات التعليمية، مع التأكيد على أن المرحلتين الابتدائية والإعدادية مرحلتان تأسيسيتان وأن جودة الصياغة هي التي تصنع الفهم حتى داخل المنهج نفسه.
لكن هذا الدفاع نفسه يفضح مأزق الوزارة، لأن شوقي ربط نجاح هذا النوع من الأسئلة بشروط قال صراحة إنها لا تتوافر في المدارس المصرية، ومنها الوقت الكافي للتعلم وطرق التدريس القائمة على الفهم والاستنتاج. معنى ذلك أن المشكلة ليست في السؤال المتحرر وحده، بل في مدرسة عاجزة ومعلم مثقل ونظام تقييم مرتبك، ومع ذلك اختارت الحكومة تحميل شكل السؤال وحده مسؤولية الفشل.
من محاربة الكتب الخارجية إلى إعادة تثبيت ثقافة الاستظهار
وبعد ذلك يبرز التناقض الأكبر، لأن الوزارة بررت الإلغاء أيضًا بالرغبة في تقليل الاعتماد على الكتب الخارجية، بينما تكشف الخبرة التربوية أن مواجهة هذه السوق لا تتم بحذف نوع من الأسئلة فقط، بل بإنتاج كتاب مدرسي حي وتدريب كاف وتقييم منضبط. وقد نقلت تصريحات سابقة للدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، أن الكتب الخارجية تكرس ثقافة الحفظ والاستظهار وتعرقل التفكير النقدي، وأنها تستنزف ميزانية الأسر وتتحول إلى سوق موازية تنافس المدرسة نفسها.
ومن هنا تبدو المفارقة أكثر حدة، لأن الوزارة تقول إنها تحاصر الكتب الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تتجه إلى امتحان أكثر التصاقًا بالكتاب الرسمي من دون أن تقدم ضمانات كافية تمنع تحوله إلى مادة للحفظ المباشر. وإذا كانت الكتب الخارجية قد تمددت بسبب ضعف الثقة في الكتاب المدرسي، فإن القرار الحالي لن يهزمها وحده، بل قد يمنحها فرصة جديدة لإعادة تعبئة المحتوى نفسه في شكل توقعات وإجابات جاهزة.
وفي هذا السياق نفسه قال حسن شحاتة إن الكتب الخارجية تقدم المقررات في صورة أسئلة وأجوبة تدفع الطالب إلى حفظ المحتوى من أجل الامتحان فقط، واقترح أن تقدم الوزارة دليلًا للطالب يتضمن أسئلة تنمي التفكير مع بدائل تدريبية رسمية. هذا الطرح يضع يدًا مباشرة على الخلل، لأن الوزارة لا تكسب المعركة بمجرد المنع، بل تكسبها عندما تقدم بديلًا تعليميًا موثوقًا داخل المدرسة.
كذلك فإن العودة إلى امتحان يعتمد على المحتوى المحدد فقط قد تخفف عبئًا آنيًا على الأسر، لكنها لا تعني تلقائيًا بناء فهم أعمق لدى الطلاب، لأن الفارق الحقيقي لا يصنعه عنوان السؤال بل طريقة بنائه. فإذا صيغ السؤال على نحو مباشر واستدعائي، عاد الطالب إلى الحفظ. وإذا صيغ السؤال على نحو تطبيقي من داخل المنهج، أمكن الجمع بين العدالة والفهم. وهنا يظهر أن الأزمة أزمة إرادة امتحانية قبل أن تكون أزمة محتوى.
المدرسة التي لم تُؤهَّل للتفكير عادت إلى الامتحان الأسهل
وفي المقابل فتح القرار نقاشًا واسعًا حول طبيعة التقييم في المراحل الأساسية، لأن جزءًا من الاعتراضات لم يأت من خصوم التطوير بل من أطراف ترى أن إلغاء الأسئلة المتحررة قد يعيد الطلاب إلى ثقافة التلقين. وقد قالت عبير أحمد، مؤسس اتحاد أمهات مصر وائتلاف أولياء الأمور، إن هذه الأسئلة كانت تؤدي دورًا في قياس الفهم الحقيقي وتنمية مهارات التعبير والتفكير والتحليل، خصوصًا في اللغة العربية.
ثم إن هذا التخوف لا يبدو منفصلًا عن تاريخ أطول في التعليم المصري، لأن الباحث التربوي كمال مغيث سبق أن أكد أن مهمة التعليم ليست الحفظ والتلقين بل قياس المهارات العليا والمقارنة بين الإجابات والإبداع، كما انتقد اختزال العملية التعليمية في الامتحان نفسه. استدعاء هذا الرأي هنا مهم، لأن القرار الحالي يعيد الجدل إلى أصل الأزمة لا إلى تفصيلة فنية داخل ورقة الامتحان.
ولذلك فإن ما حدث في أبريل 2026 لا يبدو تطويرًا بقدر ما يبدو اعترافًا متأخرًا بأن الوزارة فشلت في تهيئة المدرسة المصرية لامتحان يقيس الفهم بعدالة. فالوزارة لم تعلن برنامجًا واسعًا لتدريب المعلمين على بناء أسئلة تطبيقية من داخل المنهج، ولم تعرض نماذج كافية تقنع الأسر بأن الإلغاء لن يتحول إلى استظهار، ولم تشرح كيف ستمنع انزلاق الامتحانات إلى تكرار محفوظ.
وأخيرًا فإن أخطر ما في القرار أنه يقدم للشارع التعليمي حلًا سريعًا لأزمة معقدة، ثم يطلب من الجميع اعتباره انتصارًا للعدالة. بينما الوقائع تقول إن العدالة لا تتحقق فقط بتوحيد الوزن النسبي بين 3 نماذج، بل تتحقق عندما تضمن الدولة امتحانًا منضبطًا ومدرسة قادرة وكتابًا موثوقًا ومعلمًا مؤهلًا. وما لم يحدث ذلك، سيظل الطالب المصري يدفع ثمن ارتباك وزارة تغير شكل السؤال كلما عجزت عن إصلاح أصل المنظومة.

