تحولت مشاركة مغاربة في “أسطول الصمود العالمي” من فعل تضامني لكسر حصار غزة إلى معركة قضائية مفتوحة داخل المغرب نفسه، بعد أن تقدم عدد من المشاركين بشكوى رسمية أمام النيابة العامة بمحكمة الاستئناف في الرباط ضد بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين، متهمين إياهم بالاختطاف والاحتجاز القسري والتعذيب والتهديد بالسلاح والقرصنة في أعالي البحار.
وتستند الشكوى إلى أن ما جرى لم يكن مجرد اعتراض أمني لسفن مدنية، بل اعتداء مباشر على مدنيين مغاربة قالوا إن القوات الإسرائيلية أوقفتهم في المياه الدولية وعاملتهم بما يخالف القانون الدولي الإنساني وأبسط ضمانات السلامة الجسدية والنفسية.
وتكتسب هذه الخطوة وزنًا سياسيًا وقانونيًا داخل المغرب لأن الملف لا يتعلق فقط بإسرائيل بوصفها طرفًا متهمًا، بل يختبر أيضًا حدود استعداد القضاء المغربي للتعامل مع جرائم يدعي مواطنون مغاربة أنهم تعرضوا لها خارج البلاد على أيدي أجانب. كما يضع الدولة المغربية أمام سؤال قديم يتجدد مع كل عدوان على غزة، وهو ما إذا كانت المؤسسات ستتعامل مع فلسطين باعتبارها “قضية جامعة” كما يردد الخطاب العام، أم ستتوقف عند حدود التنديد الرمزي وتترك الضحايا يواجهون وحدهم تعقيدات العدالة العابرة للحدود.
من سفن الإغاثة إلى قفص الاتهام في الرباط
جاءت الشكوى من مواطنين مغاربة قالوا إن إسرائيل اعتقلتهم في المياه الدولية أثناء وجودهم على متن سفن “أسطول الصمود العالمي”، وهم عزيز غالي الرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وأيوب حبراوي عضو هيئة تسيير “أسطول الصمود المغاربي”، وعبد العظيم بن الضراوي الناشط الحقوقي. وبحسب المعطيات المعلنة في الندوة الصحفية بالرباط، فإن الشكوى تتهم مسؤولين إسرائيليين بارتكاب أفعال شملت التجريد من الملابس والحرمان من العلاج والاحتجاز القسري والاعتداء على السلامة الجسدية والمعنوية للمدنيين المغاربة.
ولا تبدو هذه الاتهامات منفصلة عن السياق الأوسع لتحركات الأسطول، إذ أوضحت الأمم المتحدة عبر خبرائها المستقلين أن “أسطول الصمود العالمي” أبحر من برشلونة في 31 أغسطس 2025 وكان يضم أكثر من 50 سفينة وناشطين من 44 دولة، مع موجة ثانية مقررة من تونس، في مهمة قالت الأمم المتحدة إن هدفها إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة وكسر الحصار غير القانوني المفروض عليها. هذا التوصيف الأممي مهم لأنه يضع التحرك في خانة العمل الإنساني المدني لا في خانة “الاستفزاز” التي تحاول إسرائيل إلصاقها بأي محاولة لكسر الحصار.
كما عززت تقارير لاحقة هذا المسار عندما نقلت رويترز في 2 و3 أكتوبر 2025 أن قوات إسرائيلية أوقفت عدة قوارب من الأسطول في المياه الدولية، وأن المنظمين وصفوا ما جرى بأنه اعتراض غير قانوني لسفن تحمل مساعدات ومتطوعين.
وبذلك لم تعد رواية الانتهاك محصورة في بيانات النشطاء، بل صارت واقعة متداولة في تغطيات دولية كبرى، وهو ما يمنح الشكوى المغربية أرضية أوضح للقول إن الحادث لم يكن دعائيًا بل واقعة قابلة للفحص القضائي.
عبد الرحيم الجامعي يفتح باب الاختصاص المغربي والقانون يمنحه أساسًا أوليًا
شرح المحامي والنقيب السابق عبد الرحيم الجامعي في الرباط أن الشكوى تستند إلى اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الإنساني الدولي والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقال إن المؤسسات القانونية المغربية مؤهلة لفتح تحقيق وإطلاق متابعات استنادًا إلى ما يمنحه قانون المسطرة الجنائية من صلاحيات لمحاكمة الجرائم المرتكبة ضد مغاربة من أجانب مهما كان مكان وقوعها. هذا الرأي لا يقدم مجرد دفاع سياسي عن الشكوى، بل يقدم مفتاحها الإجرائي داخل القضاء المغربي.
ويجد هذا الطرح سندًا واضحًا في قانون المسطرة الجنائية المغربي، إذ تنص المادة 710 على أن كل أجنبي يرتكب خارج أراضي المملكة جناية يعاقب عليها القانون المغربي يمكن متابعته والحكم عليه في المغرب إذا كان ضحية هذه الجناية من جنسية مغربية. كما تحدد المادة 712 أن المحكمة المختصة يمكن أن تكون محكمة محل إقامة الضحية، وهو ما يفسر لجوء مقدمي الشكوى إلى الرباط بدل انتظار مسارات دولية أطول وأكثر تعقيدًا.
غير أن هذا الأساس القانوني الأولي لا يعني أن الطريق معبدة تلقائيًا، لأن التحدي الحقيقي يبدأ بعد قبول الشكوى شكلاً. فالقضاء المغربي يحتاج إلى الانتقال من منطق الاستماع الرمزي إلى منطق التحقيق الفعلي، بما يشمل جمع الإفادات والقرائن وتكييف الجرائم المحتملة، ثم بحث سبل التعاون القضائي الدولي عند الحاجة. وهنا تبدو أهمية ما نصت عليه المادة 713 من أولوية الاتفاقيات الدولية في التعاون القضائي، لأن الملف في جوهره عابر للحدود ولا يمكن فصله عن شبكة التزامات المغرب الدولية.
خبراء أمميون يفكون الحصار قانونيًا ويضعون إسرائيل في قلب المساءلة
تتجاوز أهمية الشكوى بعدها الوطني لأن خبراء أمميين مستقلين قدموا بالفعل توصيفًا قانونيًا شديد الوضوح لما يتعلق بحرية مرور سفن الإغاثة المتجهة إلى غزة. فقد قالت المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي، ضمن بيان أممي مشترك، إن سكان غزة لهم الحق في تلقي المساعدات عبر مياههم الإقليمية حتى تحت الاحتلال، وإن سفن الأسطول لها حق المرور الحر في المياه الدولية، مؤكدة أن إسرائيل “يجب ألا تتدخل” في حرية الملاحة المعترف بها دوليًا.
وفي البيان نفسه برز اسم مايكل فخري المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، ضمن الخبراء الذين اعتبروا أن عرقلة المساعدات وتجميعها بينما يموت المدنيون جوعًا ليس فشلًا في التنسيق بل استخدامًا متعمدًا للمساعدات الإنسانية كسلاح. هذا التوصيف مهم للغاية لأن الشكوى المغربية لا تدور فقط حول الاعتداء على أشخاص، بل حول اعتراض مهمة إنسانية متصلة بحصار وصفه خبراء الأمم المتحدة بأنه غير قانوني وأن تعطيله يفاقم تجويع غزة.
ويضاف إلى هذين الاسمين الخبير الأممي بالاكريشنان راجاجوبال المقرر الخاص المعني بالحق في السكن الملائم، وهو من بين الموقعين على البيان الذي عدّ أي محاولة لعرقلة “أسطول الصمود العالمي” انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي والمبادئ الإنسانية. وجود راجاجوبال في هذا المسار ليس تفصيلًا، لأن استهداف سفن مدنية تحمل غذاءً ودواءً يرتبط مباشرة بالحق في السكن والحياة الكريمة والحماية من التهجير القسري الذي يضرب سكان غزة تحت الحصار والقصف معًا.
المغرب أمام اختبار العدالة لا مجاملة السياسة
تكشف الشكوى المغربية أن ملف غزة عاد ليصطدم في الرباط بمسألة أكبر من التضامن الخطابي، وهي مسألة ما إذا كان القضاء الوطني سيستخدم الأدوات التي يملكها فعلًا أم سيكتفي باستقبال الشكوى بوصفها حدثًا إعلاميًا عابرًا. فالمعطيات الأساسية موجودة، والضحايا المزعومون معروفون، والأساس القانوني المحلي قائم، والمرجعية الدولية الداعمة لفكرة عدم قانونية اعتراض السفن المدنية في المياه الدولية حاضرة بقوة في بيانات خبراء الأمم المتحدة.
والخلاصة أن هذه الشكوى تضع المغرب أمام لحظة لا تحتمل الغموض، لأن القضية لم تعد مجرد تضامن مع غزة بل صارت ادعاءً بجرائم ارتكبت ضد مواطنين مغاربة على متن سفن مدنية في البحر. وإذا أرادت الدولة أن تقنع الرأي العام بأن العدالة ليست خاضعة لحسابات التطبيع والتهدئة السياسية، فعليها أن تبرهن ذلك بإجراءات تحقيق واضحة لا ببيانات عامة. عندها فقط يمكن القول إن الرباط لم تكتفِ برفع شعار فلسطين، بل تعاملت مع الاعتداء على مواطنيها باعتباره قضية سيادة وعدالة ومساءلة.

