تحولت الطاقة الشمسية في مصر خلال السنوات الأخيرة من بديل عملي لتخفيف كلفة الكهرباء والغاز إلى ملف مثقل بالرسوم والاشتراطات والقيود التنفيذية، بعدما فتحت الحكومة باب الجباية على هذا القطاع في توقيت كانت فيه الأسر والمنشآت الصغيرة تبحث عن مخرج من ارتفاع الفواتير وكلفة التشغيل.
فمنذ ديسمبر 2021، دخلت الرسوم الجمركية على الألواح ومكوناتها بنسبة 5% إلى المشهد، ثم تبعتها مناقشات ورسوم دمج وربط وتعقيدات إجرائية، بينما ظل خطاب الدولة يتحدث عن التوسع في الطاقة المتجددة في العلن، في وقت كانت فيه القرارات الفعلية ترفع كلفة الدخول إلى هذا المسار وتؤخر استرداد الاستثمار وتربك تعاقدات الشركات والمستهلكين. هذا التناقض لم يكن تفصيلًا فنيًا، بل كان مسارًا مباشرًا دفع القطاع إلى الشكوى من تآكل الجدوى الاقتصادية وتراجع الإقبال وتعطل خطط التوسع.
تتابعت القرارات بعد ذلك على نحو كشف أن الأزمة لم تكن في نقص الشمس ولا في ضعف الطلب، بل في رغبة السلطة في إحكام السيطرة على كل كيلوواط ينتج خارج منظومة التوليد التقليدي.
ففي 2022 أصدر جهاز تنظيم مرفق الكهرباء كتابه الدوري الخاص بمقابل دمج الطاقة المنتجة من مشروعات الطاقات المتجددة المرتبطة بالشبكة، ثم عاد في 2023 ليعلن إعفاءات محددة لمحطات بعينها، قبل أن تعلن الحكومة في مارس 2024 إلغاء مقابل الدمج السابق إقراره بشأن مشروعات الطاقات المتجددة.
غير أن هذا التراجع الحكومي المتأخر لم يمح أثر المرحلة السابقة، لأن السوق كان قد تلقى الرسالة بوضوح منذ البداية، وهي أن الدولة مستعدة لفرض أعباء تنظيمية ومالية على البدائل الأرخص كلما توسعت، ثم التراجع عنها فقط بعد اتساع الاعتراض وكلفة التعطيل.
الجمارك والضريبة رفعتا كلفة البداية
بدأ الضغط المالي المباشر على القطاع مع فرض تعريفة جمركية بنسبة 5% على الألواح الشمسية ومكونات رئيسية أخرى، بعد سنوات كانت فيها تلك المستلزمات تتمتع بإعفاءات أوسع. هذا التحول ضرب المكون الذي يمثل الجزء الأكبر من تكلفة المحطة، وأعاد تسعير مشروعات جرى التعاقد عليها قبل القرار، ودفع الشركات إلى تحميل الزيادة على المستهلك النهائي.
ثم زاد العبء مع استمرار ضريبة القيمة المضافة البالغة 14% على المكونات وعقود التنفيذ، وهو ما دفع عاملين في القطاع إلى المطالبة صراحة بإلغائها أو خفضها لاستعادة الجدوى الاقتصادية. وقد نقلت إنتربرايز في أبريل 2026 عن مبادرة “شمس مصر” أن إعفاء المكونات وعقود التنفيذ من الجمارك وضريبة القيمة المضافة لخمس سنوات يرفع العائد على الاستثمار بصورة كبيرة.
وفي هذا السياق، قال المهندس أحمد حندوسة، مدير الإدارة الهندسية في شركة عاملة بالقطاع، إن فرض الرسوم يعوق الاستثمار في الطاقة المتجددة، موضحًا أن تكلفة الكيلوواط الشمسي كانت مرتفعة أصلًا قبل إضافة الجمارك والرسوم، وأن السوق احتاج إلى دعم لا إلى جباية جديدة. كما ربط بين القرار وبين حالة هلع أصابت المستثمرين بمجرد طرحه.
وبالتوازي مع ذلك، نقلت تقارير اقتصادية عن أحمد فتحي، رئيس شركة لأنظمة شمسية متكاملة، أن الزيادة الناتجة عن التعريفة الجمركية أضافت بين 30 و50 قرشًا إلى قيمة الواط، وهي زيادة بدت محدودة على الورق لكنها تحولت عمليًا إلى عبء كبير عند تنفيذ محطات منزلية وتجارية كاملة، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الشحن ومكونات التشغيل.
رسوم الدمج ربطت الشمس بخزينة الدولة
بعد الجمارك والضريبة، انتقلت الأزمة إلى رسوم الدمج على الشبكة القومية، حين أدرج جهاز تنظيم مرفق الكهرباء في 2022 كتابًا دوريًا ينظم مقابل دمج الطاقة الكهربائية المنتجة من مشروعات الطاقات المتجددة بنظامي صافي القياس والاستهلاك الذاتي. ومع ذلك، كانت التقديرات المتداولة آنذاك تشير إلى رسم يقترب من 30 قرشًا لكل كيلوواط/ساعة على الكهرباء المربوطة بالشبكة.
ثم اتضح أن الحديث لم يكن عن تصور عابر، لأن بيانات منشورة في فبراير 2022 أظهرت قيمًا فعلية لمقابل الدمج وصلت إلى 32.9 قرشًا لكل كيلوواط/ساعة على الجهد الفائق و32.6 قرشًا على الجهد العالي ونحو 25.7 قرشًا على الجهد المتوسط، وهو ما أكد أن الدولة تعاملت مع ربط الطاقة المتجددة باعتباره باب تحصيل لا أداة تشجيع.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور هاني بركات، رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية الألمانية للطاقة الشمسية، إن الرسم بالشكل الذي طُرح به مثّل عبئًا إضافيًا على التكلفة النهائية، داعيًا إلى خطة حكومية تحافظ على الاستثمارات بدلًا من دفعها إلى الانسحاب. كما أكد أن اعتماد السوق على ألواح وخلايا مستوردة يجعل أي رسم جديد ينعكس فورًا على السعر النهائي.
كما وصف هيثم الجنزوري، الرئيس التنفيذي لشركة كريتيف بارتنرز للطاقة، هذا المسار بأنه يطيل زمن استرداد الاستثمار ويضرب الاستخدامات الصغيرة قبل الكبيرة، معتبرًا أن فرض رسوم على الربط يضغط على المباني السكنية والمصانع والإدارات معًا. وهذا التوصيف ينسجم مع واقع أن كل زيادة على الربط كانت تلتهم جزءًا من الوفر المنتظر أصلًا.
شروط الملكية والبطاريات ضاعفت العوائق التنفيذية
لم تتوقف المشكلة عند الرسوم المباشرة، لأن قواعد التنفيذ نفسها رفعت كلفة الدخول إلى المجال. فالمحطات المتصلة بالشبكة تحتاج إلى مكونات إضافية من كابلات وصناديق تجميع وأجهزة تحويل وربط ومقايسات، بينما تتطلب الأنظمة المنفصلة بطاريات تخزين مرتفعة الثمن لمن لا يريد البقاء تحت مظلة الشبكة العامة. وقد أكد جهاز التنظيم في 2023 أن القواعد تسمح باستخدام البطاريات ضمن منظومات الاستهلاك الذاتي.
ثم جاءت شروط المكان والملكية لتضيف قيدًا إداريًا واضحًا، إذ تشترط الإجراءات أن يكون موقع التركيب مملوكًا لصاحب الطلب أو مؤجرًا بعقد موثق طويل الأجل، وأن يكون العداد باسم مقدم الطلب وعلى عنوان العقار نفسه. وهذا الشرط يستبعد عمليًا قطاعات واسعة من السكان غير المالكين ويقيد انتشار المحطات فوق المباني المشتركة.
وبسبب هذه الاشتراطات، يصبح الاستخدام المنزلي لأجهزة كثيفة الاستهلاك مثل السخانات أو أجهزة التكييف بحاجة إلى مساحات معتبرة من الألواح ومعدات إضافية، بينما تتضاعف الكلفة إذا أضيفت بطاريات التخزين أو متطلبات العاكسات. وقد قدّرت إنتربرايز في أبريل 2026 تكلفة التركيب المنزلي بنحو 18 إلى 19 ألف جنيه لكل كيلوواط، مقابل نحو 14 ألفًا للقطاع الصناعي.
وفي المقابل، قال حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة كايرو سولار وعضو مجلس إدارة جمعية التنمية المستدامة للطاقة، إن العائق الحقيقي لم يعد في الطلب على الطاقة الشمسية بل في التمويل وكلفة الدخول الأولية، موضحًا أن المستهلكين والمصانع يحتاجون إلى قروض ميسرة لا إلى ضرائب ورسوم إضافية. وهذا التصريح يلخص جوهر الأزمة التي صنعتها السياسة الحكومية نفسها.

