صوّت مجلس النواب الأميركي، لصالح قرار يدعو إلى وقف العمليات العسكرية ضد إيران ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً صريحاً يجيز استمرار الأعمال القتالية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تصاعد المخاوف داخل المؤسسة التشريعية من تداعيات الحرب السياسية والاقتصادية والعسكرية.

 

وحظي القرار، الذي طرحه أعضاء من الحزب الديمقراطي، بدعم أغلبية أعضاء المجلس بعد حصوله على 215 صوتاً مقابل 208 أصوات، بينما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت لصالحه، في مشهد يعكس اتساع دائرة القلق من استمرار الانخراط العسكري الأميركي في المواجهة مع إيران، حتى داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترامب.

 

انقسام سياسي متزايد حول الحرب

 

ويأتي التصويت في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الأميركية نقاشاً متصاعداً حول حدود صلاحيات الرئيس في إدارة العمليات العسكرية الخارجية دون موافقة الكونغرس، خاصة بعد أشهر من التوترات العسكرية التي شهدتها منطقة الخليج ومضيق هرمز.

 

ويرى مراقبون أن نتيجة التصويت تمثل تحولاً مهماً في موقف عدد من المشرعين الأميركيين الذين باتوا ينظرون إلى استمرار العمليات العسكرية ضد إيران باعتباره ملفاً يحتاج إلى رقابة أكبر من السلطة التشريعية، خصوصاً في ظل ما تفرضه الحرب من أعباء مالية واستراتيجية على الولايات المتحدة.

 

ورغم أن القرار لا يعني وقفاً فورياً للتحركات العسكرية الأميركية، فإنه يبعث برسالة سياسية واضحة إلى البيت الأبيض مفادها أن قطاعاً متزايداً من أعضاء الكونغرس يرغب في استعادة دوره الدستوري في تقرير قضايا الحرب والسلم.

 

استناد إلى قانون صلاحيات الحرب

 

ويستند القرار إلى أحكام "قانون صلاحيات الحرب" الصادر عام 1973، وهو التشريع الذي وُضع عقب حرب فيتنام بهدف الحد من قدرة الرؤساء الأميركيين على خوض حروب طويلة الأمد دون موافقة الكونغرس.

 

وينص القانون على ضرورة حصول الرئيس على تفويض تشريعي عند استخدام القوة العسكرية، كما يفرض قيوداً زمنية على العمليات العسكرية التي تُنفذ دون موافقة الكونغرس، حيث يتعين إنهاؤها بعد مرور ستين يوماً ما لم يمنح المشرعون موافقة رسمية على استمرارها.

 

وبحسب نص القرار، فإن استمرار أي عمليات قتالية ضد إيران دون تفويض تشريعي يعد مخالفاً للضوابط التي حددها القانون، ما يضع الإدارة الأميركية أمام ضغوط سياسية وقانونية متزايدة.

 

انتهاء المهلة القانونية

 

وتشير المعطيات القانونية إلى أن المهلة الأساسية البالغة ستين يوماً انتهت في الثاني من مايو/أيار الماضي، لتبدأ بعدها فترة إضافية مدتها ثلاثون يوماً مخصصة لسحب القوات أو إنهاء العمليات العسكرية.

 

إلا أن منتقدي الإدارة الأميركية يؤكدون أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة استمر رغم انتهاء تلك المهلة، مشيرين إلى استمرار الإجراءات العسكرية المتعلقة بحركة الملاحة والسفن الإيرانية في محيط مضيق هرمز، وهو ما أثار انتقادات داخل أروقة الكونغرس بشأن مدى التزام الإدارة بالنصوص القانونية المنظمة لاستخدام القوة العسكرية.

 

محاولات متكررة داخل الكونغرس

 

ويعد هذا التصويت أحدث حلقة في سلسلة من المحاولات التشريعية التي شهدها الكونغرس خلال الأشهر الماضية لإعادة النظر في الحرب على إيران.

 

ففي مجلس النواب، تعثر أكثر من مشروع قرار سابق كان يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس وإلزامه بالحصول على موافقة الكونغرس قبل مواصلة العمليات العسكرية. كما شهد مجلس الشيوخ بدوره عدة محاولات مماثلة لم تنجح في تجاوز الانقسامات الحزبية الحادة.

 

وتشير بيانات المناقشات البرلمانية إلى أن مجلس الشيوخ فشل سبع مرات في تمرير إجراءات مشابهة منذ بدء الهجمات الأميركية على إيران، وهو ما يعكس حجم الانقسام السياسي حول الملف الإيراني داخل واشنطن.

 

حسابات انتخابية وضغوط داخلية

 

ويرى محللون أن الجدل المتصاعد حول الحرب لا ينفصل عن الحسابات الانتخابية التي بدأت تفرض نفسها بقوة على المشهد السياسي الأميركي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

 

فالديمقراطيون يسعون إلى استثمار الملف لإحراج خصومهم الجمهوريين وإجبارهم على إعلان مواقف واضحة من استمرار الحرب، في حين يواجه عدد من النواب الجمهوريين ضغوطاً متزايدة من قواعدهم الانتخابية التي تبدي تحفظات على الانخراط في صراعات خارجية طويلة ومكلفة.

 

كما أن التداعيات الاقتصادية للحرب، بما في ذلك تأثيرها على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية والإنفاق العسكري، أصبحت عاملاً رئيسياً في النقاشات السياسية داخل الولايات المتحدة، ما يزيد من حساسية الملف بالنسبة للمرشحين الساعين للحفاظ على مقاعدهم في الكونغرس.