سددت الحكومة المصرية خلال أبريل 2026 سندات دولية بقيمة 1 مليار يورو صدرت في 2018، بينما أظهرت بيانات البنك الدولي أن إجمالي الاستحقاقات الخارجية على مصر خلال الربع الثاني من 2026 يبلغ 12.7 مليار دولار. وفي اللحظة نفسها، تكشف أوراق الموازنة العامة للسنة المالية 2025/2026 زيادة كبيرة في مصروفات الرئاسة ومجلس الوزراء والبرلمان، رغم تكرار الخطاب الرسمي عن التقشف وترشيد الإنفاق. هذا التزامن لا يقدم مجرد مفارقة رقمية، بل يضع أولويات الحكم في صورة مباشرة أمام الرأي العام. الحكومة تسدد التزامات ثقيلة في الخارج، وتطلب من المواطنين احتمال الضرائب ورفع الأسعار وتخفيض الدعم، ثم تمنح مؤسسات الحكم نفسها زيادات واسعة في الداخل. هذه الصورة تكتمل مع تصريحات عبد الفتاح السيسي عن محدودية دخله الشخصي، ومع دفاعه المتكرر عن سياسات الإنفاق العام، بينما تكشف الأرقام الرسمية أن الموازنة تتحرك في اتجاه آخر يرفع مخصصات الحكم ويضغط أكثر على مجتمع يتحمل أصلًا كلفة أزمة ممتدة.

 

تكشف الأرقام نفسها أن القضية لا تتعلق ببند منفصل أو زيادة عارضة، بل ببنية إنفاق كاملة تعكس ترتيبًا سياسيًا واضحًا. فمصروفات مجلس الوزراء ارتفعت من 448.6 مليون جنيه إلى ما يزيد على 1 مليار جنيه، ومصروفات مجلسي النواب والشيوخ ارتفعت من 2.6 مليار جنيه إلى 3.3 مليار جنيه، ومصروفات الرئاسة ارتفعت من 842.9 مليون جنيه إلى 1.2 مليار جنيه، بزيادة تتجاوز 41.7% عن العام السابق. وعند جمع الزيادات الثلاث تظهر قفزة تتجاوز 1.6 مليار جنيه مقارنة بالسنة السابقة، بينما تضع تقديرات أخرى إجمالي المخصصات بعد الزيادة قرب 5.5 مليار جنيه مقابل نحو 3.89 مليار جنيه قبلها. هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن واقع يعلن فيه المسؤولون أن 87% من الإيرادات تأتي من الضرائب، وأن فوائد الدين وحدها التهمت 92% من الإيرادات العامة خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية.

 

استحقاقات خارجية تتضخم وموازنة الحكم ترتفع

 

وفي الوقت الذي دفعت فيه القاهرة استحقاق السندات الأوروبية، أظهرت بيانات البنك الدولي المنشورة في يناير 2026 أن الدين الخارجي لمصر وصل إلى 163.9 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من 2025، بعد أن كان 163.7 مليار دولار في الربع السابق. كما بينت البيانات نفسها أن التزامات الربع الثاني من 2026 تبلغ 12.7 مليار دولار، بينها 3.35 مليار دولار ودائع وعملات على البنك المركزي.

 

ثم إن هذا المسار لا يعكس تحسنًا في عبء الدين بقدر ما يعكس استمرار تدويره. فوزارة المالية أعلنت في مشروع موازنة 2025/2026 أن المصروفات تبلغ 4.6 تريليون جنيه، بينما تستهدف خفض العجز والدين تحت ضغط برنامج صندوق النقد. لكن مراجعة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أوضحت أن الحكومة ما زالت تعتمد على الاقتراض لسداد الديون، وأن فوائد وأقساط الدين تبتلع نحو ثلثي الإنفاق المخطط له في الموازنة الجديدة.

 

لذلك لا تبدو زيادة نفقات مؤسسات الحكم تفصيلًا إداريًا منفصلًا عن أزمة التمويل. فالزيادة في مخصصات الرئاسة ومجلس الوزراء والبرلمان جاءت داخل سنة مالية تقول فيها الحكومة إنها تعمل على ترشيد الإنفاق وتقليل النفقات غير الضرورية. لكن الأرقام المنشورة من بنود الموازنة تظهر العكس في مؤسسات القرار نفسها، وهو ما يجعل خطاب التقشف موجهًا إلى المجتمع لا إلى أجهزة الحكم.

 

كما أن أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتورة عالية المهدي ربطت بين اتساع عبء الدين وتآكل قدرة الموازنة على أداء وظائفها الأساسية، وقالت في ديسمبر 2025 إن أقساط وفوائد الديون وصلت إلى مستويات خطيرة، وإنها تمثل 142% من إيرادات الدولة العامة، بما يجبر الحكومة على الاستدانة لسد الفجوة. هذا التقدير يضع سداد السندات الأخيرة داخل سياق أوسع من الاعتماد المستمر على الدين لا على الإنتاج.

 

أموال السلطة تزيد بينما الخدمات العامة تتراجع

 

وفي الداخل تكشف بنود الموازنة أن الزيادة لم تتجه أولًا إلى تحسين الخدمات الأساسية بقدر ما اتجهت إلى تعزيز مخصصات مؤسسات الحكم. فقد ارتفعت مصروفات مجلس الوزراء إلى أكثر من الضعف تقريبًا، وصعدت مخصصات البرلمان بغرفتيه بنحو 700 مليون جنيه، بينما زادت مخصصات الرئاسة إلى 1.2 مليار جنيه. وهذه الزيادات تركزت في أبواب تشمل السلع والخدمات والأجور والدعم والمنح داخل تلك الجهات.

 

ومع هذه الزيادات، تستمر الموازنة في تقديم صورة مختلفة تمامًا للقطاعات التي تمس حياة المواطنين مباشرة. فالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية قالت في تحليلها لموازنة 2025/2026 إن الإنفاق على الصحة بلغ 246.2 مليار جنيه، لكنه ظل عند 1.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل من نصف النسبة الدستورية المقررة. هذا يعني أن الزيادة الاسمية لم تتحول إلى أولوية فعلية في توزيع الموارد.

 

وبعد ذلك جاءت الشهادة المهنية من داخل القطاع الصحي لتكشف أثر هذا الخلل على المواطنين. فقد قال نقيب أطباء مصر الدكتور أسامة عبد الحي في يناير 2026 إن الحق في الصحة مسؤولية الدولة، وإن المواطنين يدفعون ضرائب ومن حقهم الحصول على رعاية صحية حقيقية، محذرًا من قرارات قيدت العلاج على نفقة الدولة ولم تطبق خدمات الطوارئ المجانية كما كان مفترضًا.

 

وإلى جانب هذا التراجع، يتسع التناقض عندما يطلب الحكم من المواطنين تحمل رفع الأسعار وتقليص الدعم والرسوم الجديدة، بينما ترتفع نفقات مؤسساته المركزية. فالمشكلة هنا ليست في قيمة الزيادة وحدها قياسًا إلى إجمالي الموازنة، بل في دلالتها السياسية والمالية. الحكومة اختارت حماية أجهزة الحكم من ضغط التقشف، وتركت المجتمع يواجه نتائجه وحده.

 

الضرائب وفوائد الدين تبتلع الموارد وتكشف التناقض الرسمي

 

وفي النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 أظهر التقرير الشهري لوزارة المالية أن مدفوعات فوائد خدمة الدين ارتفعت 34.6% على أساس سنوي إلى 1.26 تريليون جنيه، بينما بلغت الإيرادات العامة 1.38 تريليون جنيه. وهذه النسبة تعني أن فوائد الدين وحدها التهمت نحو 92% من الإيرادات العامة خلال ستة أشهر فقط، وهو رقم نشرته الوزارة ونقلته وسائل إعلام اقتصادية مصرية.

 

ثم إن الاعتماد على الضرائب أصبح أكثر وضوحًا في تكوين الإيرادات. فالمبادرة المصرية قالت في تحليل موازنة 2025/2026 إن 87% من الإيرادات الضريبية ستذهب لسداد فوائد الديون، بينما تعتمد الدولة بشكل متزايد على الجباية والاقتراض معًا لتغطية نفقاتها. هذا الترتيب المالي يفسر لماذا يضيق هامش الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار العام عامًا بعد عام.

 

كذلك كتب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في يناير 2026 أن المواطن لا يأكل المؤشرات الاقتصادية، وأن تراجع بعض المؤشرات الكلية لم ينعكس على أسعار السلع والخدمات في الأسواق. هذا التوصيف يكتسب وزنه من توقيته، لأنه جاء بينما كانت الحكومة تحتفي بخفض التضخم نسبيًا وبالتحسن في بعض المؤشرات، في حين ظل الأثر المعيشي غائبًا عن أغلبية الأسر.

 

وأمام هذه الصورة، يصبح من السهل فهم لماذا يرى كثير من المحللين أن نسبة الموارد الموجهة إلى الدين تتجاوز الأرقام التي تظهرها الحكومة عند الاكتفاء ببند الفوائد داخل الموازنة. فحين تضاف الأقساط إلى الفوائد، ترتفع الكلفة الفعلية للديون إلى مستويات تقيد حركة الدولة المالية وتدفعها إلى اقتراض جديد لسداد استحقاقات قديمة، بدل توجيه الموارد إلى خدمات الناس واحتياجاتهم المباشرة.

 

وفي هذا السياق لا يعود التناقض بين خطاب التقشف وارتفاع مصروفات الحكم مسألة دعائية أو سجالًا سياسيًا فقط، بل يصبح واقعة موثقة داخل أوراق الدولة نفسها. الحكومة زادت مخصصات الرئاسة والحكومة والبرلمان، بينما أبقت الصحة عند 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وسمحت لفوائد الدين بابتلاع أغلب الإيرادات، وواصلت تحميل المجتمع كلفة الجباية ورفع الأسعار. هذا ليس اختلالًا في عرض الأرقام، بل ترتيب مقصود للأولويات داخل الموازنة.

 

ثم إن الخلاصة التي تفرضها هذه الوقائع واضحة ومباشرة. الدولة التي تسدد 1 مليار يورو في الخارج خلال أبريل 2026، وتواجه 12.7 مليار دولار استحقاقات في ربع واحد، لا تملك ترف تضخيم نفقات الحكم إذا كانت جادة في التقشف. لكن ما جرى يثبت أن التقشف في مصر يطبق على المواطنين، بينما تحتفظ مؤسسات السلطة بحقها الكامل في الزيادة والإنفاق والحماية المالية.