محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

كلّ النقاشات التي تدور في المجال العامّ المصري، إن كان هناك مجال عامّ مصري، تفتقر إلى الاتفاق على "نقطة ارتكاز" واحدة، إذ لا شيء متَّفق عليه. كلّ ما نرجوه في نقاشاتنا ينتمي إلى "ما قبل المعرفة"، انطباعات تتحكّم فيها الحماسة غير المبرَّرة، حبًّا أو كرهًا. باختصار: نقاشات بلا بديهيات.

 

هل تأتي الشمس من المشرق؟ ربّما. هذه مسألة تتعلّق بموقعك من الصراع: مع عبد الفتاح السيسي أم ضدّه؟ مع الإخوان المسلمين أم ضدّهم؟ مع "الاستسلام الواقعي" للعدو أم ضدّه؟ مع نفسك أم ضدّها؟ ذلك كلّه يؤثّر في الإجابة، رغم أنّ المفترض (بداهةً) أنّ شروق الشمس قانون كوني، لكن لا كون هنا ولا كينونة... هنا القاهرة.

 

الاختلاف ليس مشكلة، بل واجب وضرورة ورحمة، لكنّه يتحوّل إلى جحيم مستعر حين يفقد أرضيته، لا طريق، ومن ثمّ لا طريقة. هكذا نتصارع حول العدم، ونسمّي هذا خلافًا في وجهات النظر… فعلًا؟

 

في الصراعات الدائرة حول الموقف من الدولة، اليسار، العلمانية، الإسلام السياسي، السينما، كرة القدم، يغيب مفهوم "الشيء"، ومن ثمّ يُسجَّل الخلاف حضورًا على أرضية الغياب. ما الإسلام أصلًا، كي يمكننا التحدّث عن علاقته بأي شيء، أو انحيازه لأي شيء، أو عداوته مع أي شيء، أو الإساءة إليه من كاتب أو فيلم سينما؟ وما الكتابة؟ وما السينما؟ ما المعنى وراء ذلك كي يمكننا القول إنّ هذه كتابة جادّة وتلك مسخرة، هذا فيلم سينما وهذه مجرّد مشاهد بلا ترتيب وبلا إيقاع وبلا خطاب، هذا دين وهذه تواريخه وتلك أفكار حولهما؟ وما المتَّفق عليه في ذلك كلّه، كي يصبح للخلاف حوله معنى يفيض بالمعرفة ويراكمها؟ لا إجابات، ومن ثمّ لا بديهيات.

 

تُفرّق حنة أرندت بين "الحقيقة العقلية" التي يستطيع عقل واحد الوصول إليها منفردًا (نظرية فيثاغورس مثلًا) و"الحقيقة الواقعية" التي لا تقوم بذاتها، بل تتعلّق بآخرين، وتخصّ وقائع شارك فيها كثيرون، وتُثبت بالشهود والشهادات، ولا تبقى حاضرةً في المجال العام إلا بمقدار ما تُروى وتُوثّق ويُتحدّث عنها، ولذلك هي سياسية في جوهرها، كما أنّها أشدّ هشاشةً أمام السلطة من الحقيقة العقلية التي لا تكترث بها السلطة، كما يقول هوبز عند أرندت، إلا إذا تعارضت مع مصالحها، أو خطّتها في التجهيل الشامل. من هنا يمكننا الإجابة عن سؤال البديهيات: لماذا غابت؟ وكيف نستعيدها؟

 

لسنا بلا بديهيات لأنّنا أغبياء، أو همج، أو ريفيون، بل لأنّ الأرض المحايدة التي تُبنى عليها البديهية قد صودرت. حين تتجاوز السلطة احتكار العنف إلى احتكار الواقع، بمفاهيمه وأفكاره، يصير الاتفاق على أنّ الشمس تأتي من المشرق نوعًا من الإذعان، تصير البديهية عبئًا، وانتهاكها حرّية. وحين يصبح الاقتراب من الحقائق المؤلمة مكلفًا، يهرب الناس إلى معارك مجّانية حول حقائق صغيرة أو تعريفات عائمة؛ معارك آمنة تمنحهم شعورًا بالمشاركة من دون أن تضعهم أمام فوّهة النظام، ذلك لأنّهم لا يستطيعون (بداهةً) الاستغناء عن حقّ "المشاركة" في الفعل، أي فعل. من ثمّ يركنون إلى المواقف الحدّية في مناكفات غير جادّة، لأنّ هذا النوع من المواقف والمناكفات هو الحائط الوحيد الذي لم يتهدّم، والملكية الوحيدة التي لم تُنتزع منهم بعد.

 

ليست "البديهية"، إذن، مجرّد فكرة في الرأس، بل اتفاق جماعي يحتاج إلى شهود، إلى صحافة حرّة، وقضاء غير مسيَّس، ونقابات فاعلة، وجامعات مستقلّة، وبرلمان منتخَب، وأحزاب تنافسية، إلى كتّاب ونقّاد وفنّانين وشيوخ وقساوسة لا يخشون عواقب الكلام. من هنا يتحوّل الاتفاق إلى حقيقة واقعية، ومن ثمّ إلى بديهيات تمنح الكلمات والأشياء معنى وقيمة ووجهة وهدفًا.

 

هنا القاهرة، حيث الكلُّ خصم للكلِّ، والدولة وحدها مصدر الحقيقة، وليتها تملك شيئًا لتقدّمه، بل دعايات تجعل من الحقيقة مهزلةً يوميةً، وعليك، إذا أردت أن تُحسب "وطنيًا"، أن تأخذها على محمل الجدّ، وإلا ذهبوا بك إلى حيث "تأخذ" نصيبك المقرّر من "الإنقاذ الوطني". وتحيا مصر.