بدأت موجة الغضب بعد قرار وزارة الكهرباء تطبيق سعر موحد على استهلاك العداد الكودي اعتبارا من ٨ أبريل ٢٠٢٦ ليقفز الكيلووات ساعة إلى ٢٫٧٤ جنيه بدلا من ٢٫١٤ جنيه بزيادة تقارب ٢٨ بالمئة مع إلغاء نظام الشرائح لهذا النوع من العدادات وهو ما نقل العبء مباشرة إلى الأسر التي كانت تعتمد على الشراء المسبق لضبط استهلاكها وتفادي الصدمات الشهرية.

 

قرار موحد يرفع الحمل على الأسر المخالفة والفقيرة

 

أوضح القرار أن الحكومة لم تكتف بتحريك الأسعار في بعض الشرائح المنزلية هذا الشهر بل اتجهت أيضا إلى العداد الكودي نفسه وهو عداد يرتبط في الأساس بالعقارات المخالفة أو غير المقننة وبذلك صار المواطن الذي يعيش وضعا قانونيا وخدميا هشّا مطالبا بسعر أعلى ثابت لا يراعي تفاوت الاستهلاك ولا يترك مساحة حماية ولو محدودة لمن يستهلك أقل.

 

ولفت هذا التحول إلى أن الحديث الرسمي عن مراعاة البعد الاجتماعي يتعطل عمليا عند باب العداد الكودي لأن إلغاء الشرائح يعني أن الأسرة الصغيرة التي كانت تراهن على استهلاك محدود لن تحصل على أي ميزة سعرية فيما يحصل التحصيل مقدما وبلا نقاش وهو ما يجعل كل شحنة كهرباء جديدة تذكيرا يوميا بأن الأزمة انتقلت من ورق القرارات إلى تفاصيل المعيشة.

 

وفي هذا السياق يرى الدكتور حافظ سلماوي رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء السابق أن العداد الكودي مرتبط أصلا بعقارات مخالفة وأن ضغوط الصيف وارتفاع الاستهلاك يدفعان أعدادا واسعة إلى شرائح أعلى كما أكد أن الشريحة العليا رغم محدودية عدد المشتركين توفر إيرادات كبيرة للمنظومة وهو تفسير يكشف أن منطق الجباية بات حاضرا بقوة في هندسة التسعير الحالية.

 

تفسير حكومي معتاد وكلفة يدفعها المستهلك وحده

 

ويبين المسار الرسمي أن الحكومة تبرر الزيادة بارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع وبالضغط الناتج عن الغاز وسعر الصرف وهي مبررات تتكرر منذ تعريفة يناير ٢٠٢٤ التي نصت صراحة على إمكان إعادة النظر في الأسعار مع تغير سعر الصرف ثم عادت الحكومة لتربط زيادات ٢٠٢٦ بإعادة هيكلة دعم الطاقة بما يؤكد أن المستهلك ظل الحلقة الأسهل في معادلة التصحيح المالي.

 

وفي موازاة ذلك قال مصطفي مدبولي في ٩ أبريل ٢٠٢٦ إن رفع أسعار الكهرباء جرى بشكل محدود لكن هذا الوصف لا يصمد أمام واقع العداد الكودي لأن الزيادة فيه جاءت دفعة واحدة وبنسبة تقارب ٢٨ بالمئة بينما يظل الدفع مقدما بلا مهلة ولا فاتورة مؤجلة وهو ما يجعل أثر القرار أشد قسوة من اللغة الرسمية التي تحاول تهدئة الغضب العام.

 

كما يرى الدكتور محمد فؤاد الخبير الاقتصادي أن تحريك أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على التضخم والأسعار في السوق وهذه النقطة تفسر لماذا لا تتوقف آثار قرار الكهرباء عند قيمة الشحنة نفسها لأن الأسرة التي تدفع أكثر للإنارة والتبريد ستجد نفسها أيضا أمام موجة أوسع في تكلفة الغذاء والخدمات والنقل وبذلك يتحول القرار من عبء قطاعي إلى ضغط معيشي شامل.

 

خلفية أزمة ممتدة من الغاز إلى الموازنة

 

وفي الخلفية لا يمكن فصل هذه الزيادة عن أزمة الطاقة الأوسع إذ تشير تقارير حديثة إلى أن مصر تواجه فاتورة طاقة تقترب من ٢٠ مليار دولار سنويا مع ارتفاع واردات الغاز بصورة حادة خلال ٢٠٢٥ بينما أكد خبراء أن استمرار أزمة الغاز قد يرفع تكلفة الاستيراد إلى نحو ٩ مليارات دولار وهو ما يفسر تعجل الحكومة في تمرير أي زيادة قابلة للتحصيل السريع.

 

وأشار هذا المسار إلى تناقض سياسي واضح لأن الحكومة كانت قد اتجهت في مايو ٢٠٢٥ إلى تأجيل زيادات الكهرباء حتى ٢٠٢٦ لتخفيف الأعباء عن المواطنين ثم عادت في أبريل ٢٠٢٦ لتقر زيادات جديدة في الشرائح المنزلية وتوحد سعر الكيلووات في العداد الكودي وهو تراجع يكشف أن وعود التهدئة كانت مؤقتة وأن الضائقة المالية انتصرت مرة أخرى على أي اعتبارات اجتماعية.

 

وفي قراءة أوسع أكد الدكتور مدحت نافع الخبير الاقتصادي في تحليله لأزمات الغاز أن ارتفاع واردات الغاز الطبيعي خلال الربع الأول من ٢٠٢٥ بنسبة كبيرة يعكس خللا في تخطيط الطاقة لا يجوز ترحيله كل مرة إلى المواطن وهذا الرأي يضع جوهر المشكلة في إدارة الملف نفسه لا في سلوك المستهلك الذي يطلب خدمة أساسية صار ثمنها يرتفع كلما تعثرت الحسابات الرسمية.

 

النتيجة الاجتماعية والسياسية لقرار الجباية

 

ويرى المتابعون أن أخطر ما في القرار ليس رقمه فقط بل رسالته الاجتماعية لأن العداد الكودي كان يقدم على أنه حل مؤقت يضمن الحد الأدنى من الخدمة لفئات تعيش في أوضاع سكنية معقدة فإذا به يتحول إلى قناة تحصيل قاسية لا تعترف بتدرج الاستهلاك ولا بالفارق بين أسرة بالكاد تنير منزلها وأخرى تملك قدرة أعلى على الدفع.

 

وأكدت النتيجة العملية خلال أيام قليلة أن كل حديث عن إصلاح تدريجي يفقد معناه حين تبدأ الحكومة من جيوب الأضعف ثم تسمي ذلك إعادة هيكلة لأن المواطن لا يقرأ المؤشرات الكلية بقدر ما يقرأ عدد الكيلووات التي تآكلت من رصيد شحنته بسرعة أكبر ولهذا بدا القرار في نظر كثيرين إجراء ماليا محضا يرتدي ثوبا خدميا لا أكثر.

 

وأخيرًا يكشف رفع سعر الكيلووات في العداد الكودي أن السلطة اختارت الطريق الأسهل مرة جديدة وهو تحميل المواطن كلفة التعثر في الغاز والدعم والتخطيط ثم مطالبة الناس بالصمت باسم الضرورة بينما الحقيقة أبسط وأقسى لأن الكهرباء لم تعد خدمة تضبطها العدالة الاجتماعية بل سلعة تتضخم بلا حماية ومع كل شحنة جديدة يتأكد أن الفاتورة السياسية للقرار قد تكون أوسع من فاتورته المالية نفسها.