شهدت المطلة وكريات شمونة في شمال إسرائيل انقطاعًا جزئيًا للكهرباء عقب رشقات صاروخية انطلقت من لبنان، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن أضرار في منشأة بالمطلة واندلاع حريق من دون تسجيل إصابات مؤكدة. وفي المقابل يواصل لبنان تلقي ضربات جوية إسرائيلية واسعة، بينما تتحدث تقارير دولية عن استمرار التوغل البري الإسرائيلي في جنوب البلاد، وسط حصيلة ثقيلة تجاوزت 300 قتيل وأكثر من 1,150 مصابًا منذ موجة غارات 8 أبريل، إضافة إلى دمار واسع في أحياء سكنية وجسور وبنى تحتية حيوية. وتؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها لا تعتبر لبنان مشمولًا بأي وقف إطلاق نار، ما يبقي الجبهة مفتوحة على مزيد من التصعيد.

 

وبذلك يدخل لبنان يومًا جديدًا من العدوان الإسرائيلي تحت عنوان واحد لا يحتاج إلى كثير شرح: تصعيد بلا سقف، وضربات لا تكتفي باستهداف الجنوب، بل تمتد إلى بيروت ومناطق مدنية مكتظة، فيما تواصل إسرائيل فرض معادلة التفاوض تحت النار، رافضة أي وقف لإطلاق النار يشمل الساحة اللبنانية. وبهذا المعنى، فإن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن قرار سياسي وعسكري إسرائيلي واضح بإبقاء لبنان ساحة مفتوحة، حتى مع الحديث عن تهدئة مؤقتة بين واشنطن وطهران، وحتى مع الضغوط الدولية التي طالبت بوقف الهجمات أو على الأقل خفضها.

 

هذا المشهد لا يظهر فقط في التصريحات، بل في الوقائع الميدانية التي تكدست خلال الساعات الأخيرة. فبينما تعرضت بلدات ومواقع في شمال إسرائيل، بينها المطلة وكريات شمونة، لصواريخ انطلقت من لبنان وتسببت في انقطاع جزئي للكهرباء وأضرار مادية، ظل الثقل الأكبر للحدث قائمًا داخل الأراضي اللبنانية نفسها، حيث استمرت الغارات والتوغلات وآثار الضربات السابقة في إنتاج حصيلة بشرية ومادية ثقيلة لا تزال مرشحة للارتفاع مع استمرار أعمال الإنقاذ ورفع الأنقاض.

 

غارات كثيفة تعيد بيروت والجنوب إلى دائرة الاستهداف المفتوح

 

بدأت الصورة الأشد وضوحًا من موجة الغارات الواسعة التي نفذتها إسرائيل على لبنان في 8 أبريل، وهي الضربات التي بقي أثرها حاضرًا اليوم بقوة، سواء في أعداد الشهداء والمصابين أو في حجم التدمير الذي أصاب أحياء ومناطق لم تعد مجرد خطوط تماس عسكرية. وقد أفادت تقارير متقاطعة بأن أكثر من 100 موقع ضُربت خلال دقائق قليلة، وأن القصف طال مناطق مأهولة في بيروت إلى جانب مواقع أخرى في أنحاء البلاد، ما جعل هذا الهجوم واحدًا من أعنف الأيام التي شهدها لبنان منذ سنوات.

 

وتشير أحدث الحصائل المتداولة إلى أن هذه الضربات خلفت أكثر من 300 قتيل وما يزيد على 1,150 جريحًا، بينهم مدنيون كثر من النساء والأطفال وكبار السن، فيما تحدثت تقارير صحفية عن مستشفيات امتلأت بالمصابين وعن طواقم إسعاف عملت طوال الليل بحثًا عن ناجين ومفقودين تحت الركام. هذه الأرقام لا تصف فقط حجم الخسارة البشرية، بل تكشف أيضًا طبيعة بنك الأهداف الذي لم يقتصر على مواقع عسكرية خالصة، بل امتد إلى نسيج مدني مكتظ ومباشر.

 

ولذلك لم يكن مفاجئًا أن تخرج شهادات من قلب بيروت تتحدث عن صدمة عامة وعن أحياء تحولت في دقائق إلى مساحات من الدخان والركام والجثث المحاصرة تحت المباني. وقد وصفت وكالة أسوشيتد برس ما جرى بأنه هجوم صعق المدينة، بينما تحدثت تقارير أخرى عن مشاهد لم تعرفها أحياء وسط العاصمة بهذا الحجم منذ عقود. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال متعلقًا بما إذا كان القصف سيطال المدنيين، بل بمدى اتساع الدائرة التي باتت تشملهم فعلًا.

 

توغل بري وتهجير واسع فيما ترفض إسرائيل أي تهدئة تشمل لبنان

 

تزامن هذا القصف مع استمرار العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وهو ما تؤكده تقارير دولية تحدثت صراحة عن غزو أو توغل مستمر داخل الأراضي اللبنانية. هذا المعطى يغير طبيعة المشهد من مجرد تبادل ضربات عبر الحدود إلى حرب مفتوحة متعددة الأدوات، حيث تستخدم إسرائيل الطيران والمدفعية والقوات البرية في وقت واحد، بينما يرد حزب الله بالصواريخ والطائرات المسيّرة على شمال إسرائيل. وبهذا يدخل الجنوب اللبناني مرة أخرى في معادلة الاستنزاف المباشر والمكشوف.

 

ومع اتساع رقعة الضربات، برزت أزمة إنسانية متسارعة لا يمكن فصلها عن السياق العسكري. إذ تحدثت أسوشيتد برس عن نزوح أكثر من 1 مليون شخص داخل لبنان، وعن عبور أكثر من 200,000 لاجئ إلى سوريا، في تطور يكشف أن الحرب لا تدمر المباني فقط، بل تدفع مئات الآلاف إلى الفرار من المدن والبلدات التي باتت معرضة للقصف أو محاصرة بانقطاع الطرق والخوف من الغارات التالية. وهنا تظهر الكلفة الحقيقية للتصعيد، لأنها تضرب السكان والبنية الاجتماعية والخدمات العامة معًا.

 

ثم جاءت التصريحات الإسرائيلية لتؤكد أن ما يجري ليس خطأ ميدانيًا أو تجاوزًا محدودًا، بل خيار معلن. فقد قال بنيامين نتنياهو بوضوح إنه لا يوجد وقف لإطلاق النار في لبنان، وإن إسرائيل ستواصل مهاجمة ما تسميه مواقع إطلاق الصواريخ والبنية التابعة لحزب الله. وجاء هذا الموقف رغم وجود تهدئة مؤقتة مرتبطة بالمسار الأمريكي الإيراني، ورغم أن باكستان وإيران تعاملتا مع هذه التهدئة على أنها تشمل لبنان أيضًا. هذا التناقض كشف أن تل أبيب قررت عمليًا إخراج لبنان من أي مظلة تهدئة والإبقاء عليه في قلب النار.

 

وبسبب هذا الإصرار الإسرائيلي، بات الحديث عن مفاوضات مباشرة مع لبنان يبدو منفصلًا عن الوقائع على الأرض. فإسرائيل تطرح محادثات حول نزع سلاح حزب الله وترتيبات مستقبلية، لكنها في الوقت نفسه تواصل القصف والتوغل، ما يعني أن المسار السياسي لا يُطرح بوصفه بديلًا عن الحرب، بل امتدادًا لها بأدوات أخرى. ومن هنا جاءت الانتقادات التي اعتبرت أن تل أبيب تحاول فرض شروطها التفاوضية بالقوة، لا عبر وقف النار وفتح مسار جدي يحفظ السيادة اللبنانية ويوقف نزيف المدنيين.

 

الضحايا والدمار والبنية التحتية المستهدفة

 

لم تقف آثار العدوان عند حدود الضحايا المباشرين، بل امتدت إلى البنية التحتية الحيوية، وهو ما يجعل كلفة اليوم اللبناني أعلى من أرقام القتلى والجرحى وحدها. فقد قالت هيومن رايتس ووتش إن الغارات الإسرائيلية دمرت جسر القاسمية، وهو آخر جسر رئيسي يربط جنوب لبنان ببقية البلاد، ما يهدد بوصول الغذاء والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية إلى عشرات الآلاف في الجنوب. وعندما يُقصف جسر بهذه الأهمية في توقيت نزوح واسع، فإن الضربة تتحول من استهداف مادي إلى خنق فعلي لحركة الناس والخدمات.

 

كما أكدت المنظمة أن الهجمات الإسرائيلية طالت أكثر من 100 موقع في 8 أبريل، وأنها أصابت أحياء ذات كثافة سكانية عالية في بيروت، ما يثير أسئلة قانونية وحقوقية مباشرة حول مدى التزام إسرائيل بقواعد التمييز والتناسب وحماية المدنيين. وقد جاء ذلك متسقًا مع موقف الحكومة اللبنانية التي وصفت ما جرى بأنه انتهاك للقانون الدولي، بينما تستعد لتقديم شكاوى وملفات إلى الأمم المتحدة بشأن ما تعتبره جرائم حرب واعتداءات على السكان والبنية المدنية.

 

وفي الخلفية، يواصل شمال إسرائيل تلقي ردود صاروخية من لبنان، وهو ما أعاد التوتر إلى المطلة وكريات شمونة ومواقع أخرى قرب الحدود. ورغم أن هذه الضربات أحدثت انقطاعًا جزئيًا للكهرباء وأضرارًا مادية، فإن المقارنة الميدانية والسياسية بين الجانبين تكشف فارقًا كبيرًا في حجم التدمير والخسائر الإنسانية. فلبنان يواجه اليوم قصفًا واسعًا وتوغلاً بريًا ونزوحًا جماعيًا وبنية تحتية مضروبة، بينما تستخدم إسرائيل هذه الجبهة لتبرير استمرار العدوان ورفض أي تهدئة متوازنة أو شاملة.

 

ولهذا كله، يبدو لبنان اليوم أمام مشهد لا يمكن تجميله بالمصطلحات الدبلوماسية. هناك بلد يتعرض لقصف واسع، وجيش إسرائيلي يتوغل جنوبًا، ومدنيون يُنتشلون من الركام، وطرق وجسور تُقطع، ومفاوضات تُطرح بالتوازي مع استمرار النار. هذا ليس مسار تهدئة، بل إدارة إسرائيلية لحرب مفتوحة تريد منها تثبيت قواعد جديدة بالقوة، فيما يدفع اللبنانيون مرة أخرى ثمن موقعهم في قلب الصراع الإقليمي. ومع غياب وقف إطلاق نار فعلي يشمل لبنان، تبقى الحصيلة مفتوحة على مزيد من الشهداء والمصابين والدمار في الساعات والأيام المقبلة.