الاقتصاد المصري يدخل موجة التوتر الإقليمي الحالية وهو محمّل بأعباء داخلية لم تنجح الحكومة في تفكيكها قبل اتساع نطاق الخطر. تقرير الآفاق الاقتصادية 2026-2027 الصادر عن أليانز وضع القاهرة ضمن الاقتصادات شديدة الحساسية للصدمات، بعدما ربط بين استمرار العجز المالي واتساع الضغوط الخارجية واستمرار هشاشة مصادر النقد الأجنبي. هذا التوصيف لا يقدّم إنذارًا نظريًا، بل يضع الأزمة في صيغة مباشرة تتصل بقدرة الدولة على التمويل والاستيراد والدعم.

 

التقرير نفسه أشار إلى عجز ثلاثي يضم الموازنة والحساب الجاري وميزان الطاقة، ثم أضاف إليه عنصرًا آخر لا يقل خطورة، وهو الاعتماد الواسع على تحويلات العاملين في الخليج. هذا الربط يكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمؤشر واحد يمكن احتواؤه، بل بمنظومة ضغوط متزامنة تتغذى من الحرب وأسعار الطاقة وحركة التجارة وتكلفة التمويل واحتياجات الاستيراد في وقت واحد.

 

الموازنة تحت ضغط خدمة الدين

 

في ملف الموازنة، جاءت الأرقام الحكومية نفسها لتؤكد أن العجز ما زال حاضرًا رغم الحديث الرسمي عن الانضباط المالي. مجلس الوزراء أعلن أن موازنة 2026/2027 تستهدف إيرادات بنحو 4 تريليونات جنيه مقابل مصروفات تبلغ 5.1 تريليون جنيه، بينما يستهدف خفض العجز الكلي إلى 4.9% في يونيو 2027 بعد مستوى متوقع عند 6.1% في يونيو 2026.

 

كما أن تحسن بعض المؤشرات المرحلية لم يلغِ الوزن الساحق لفوائد الدين داخل الإنفاق العام. تقارير حديثة عن أداء الموازنة في أول 8 أشهر من السنة المالية الجارية تحدثت عن انكماش نسبي في العجز، لكنها سجّلت في الوقت نفسه تفاقم تكلفة خدمة الدين واستمرار نمو المصروفات، وهو ما يفسر استمرار الضغط على أي مساحة مالية كان يمكن توجيهها للحماية الاجتماعية أو الاستثمار الإنتاجي.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور مدحت نافع إن تكلفة خدمة الدين العام وصلت إلى نحو 140% من الإيرادات، وإن الحكومة أصبحت أمام حيز مالي ضيق للغاية. هذا التوصيف يفسر لماذا ربط تقرير أليانز بين احتمال الانحراف المالي خلال العام وبين اتساع أثر الحرب الإقليمية، لأن أي زيادة في الدعم أو الواردات أو تكلفة الاقتراض ستنعكس فورًا على موازنة مثقلة أصلًا.

 

ولذلك لم يعد الحديث عن العجز المالي مجرد مسألة محاسبية داخل بنود الموازنة. عندما ترتفع أسعار الطاقة أو تتعطل التجارة أو تتراجع موارد العملة الصعبة، تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى تمويل كلفة إضافية فوق قاعدة إنفاق مرتفعة أصلًا. وعند هذه النقطة، يتحول التشديد المالي من خيار حكومي إلى رد فعل قسري تدفع كلفته الأسر والقطاع الخاص في الداخل.

 

الحساب الجاري بين الاستيراد وتحويلات الخليج

 

وفي ملف الحساب الجاري، أظهرت بيانات البنك المركزي أن عجز حساب المعاملات الجارية بلغ 11.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2024، مقابل 9.8 مليار دولار في الفترة نفسها من العام المالي السابق. هذا الاتساع لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بزيادة عجز الميزان التجاري وتراجع إيرادات قناة السويس، أي من قناتين تمسان قدرة البلاد على توفير النقد الأجنبي بصفة منتظمة.

 

كما أن أليانز لم تكتفِ بتسجيل اتساع العجز الجاري، بل حذّرت من نظرة مستقبلية سلبية لتدفقات النقد الأجنبي، واعتبرت أن الاعتماد على تحويلات الخليج خطر واضح لا يحظى بتقدير كافٍ. الشركة أشارت إلى أن هذه التحويلات تعادل 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن أي تباطؤ اقتصادي في الخليج قد يفتح فجوة تمويلية جديدة فوق العجز القائم.

 

لكن المفارقة أن التحويلات نفسها تسجل في الوقت الحالي مستويات قوية. البنك المركزي أعلن ارتفاع تحويلات العاملين بالخارج إلى 25.6 مليار دولار خلال الشهور السبعة الأولى من السنة المالية 2025/2026، كما سجلت 41.5 مليار دولار خلال السنة الميلادية 2025. هذه الأرقام تشرح لماذا تبدو التحويلات خط الدفاع الأهم في الحسابات الخارجية، ولماذا يصبح أي تهديد لها مسألة سيادية لا تفصيلًا ثانويًا.

 

وفي قراءة لهذه النقطة، قال الخبير الاقتصادي بلال شعيب إن تحويلات المصريين تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، لأنها تمثل إيرادات صافية تدخل مباشرة إلى الاقتصاد بخلاف الصادرات التي تتضمن مكونات إنتاج مستوردة. هذا التوصيف يوضح أن خسارة جزء من هذه التدفقات، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة الاستيراد، ستضغط مباشرة على الحساب الجاري والاحتياطيات الأجنبية معًا.

 

ومن ثم فإن تحذير أليانز من ضغط مزدوج على الحسابات الخارجية لا يبدو مبالغة. إذا طال أمد الحرب أو تباطأ النشاط في الخليج أو ارتفعت تكاليف الواردات، فإن مصر لن تواجه تراجع مورد واحد فقط، بل ستواجه تزامن انخفاض بعض التدفقات مع زيادة المدفوعات الخارجية. وهذا هو المسار الذي يوسع الفجوات التمويلية ويدفع السلطات إلى تشديد اقتصادي مساير للدورة بدلًا من تخفيفها.

 

ميزان الطاقة ومخاطر هرمز

 

أما في ملف الطاقة، فقد صنفت أليانز تعرض مصر لتقلبات أسعار الطاقة عند مستوى متوسط، لكنها وضعت انكشاف البلاد على اضطرابات سلاسل الإمداد المادية عند مستوى مرتفع. هذا التقييم يحمل دلالة عملية واضحة، لأن أزمة الطاقة لا تصل إلى مصر عبر الأسعار فقط، بل تصل أيضًا عبر الشحن والتأمين والوقت وكلفة النقل، وهي عناصر تتفاقم فور اضطراب الممرات البحرية.

 

كما أن سيناريو إغلاق مضيق هرمز لأكثر من 3 أشهر، الذي تناوله التقرير، يضرب هذا الملف من زاويتين في آن واحد. أليانز قالت إن البلدان التي تعاني عجزًا ثلاثيًا ستواجه ارتفاعًا في فواتير الاستيراد واتساعًا في عجز المراكز الخارجية، بينما ستتحمل الحكومات كلفة دعم أعلى وضغوطًا تمويلية إضافية. هذه الصيغة تربط الطاقة مباشرة بالموازنة والحساب الجاري من دون أي فواصل بين الملفات الثلاثة.

 

وفي توصيف مباشر لمخاطر هذا المسار، قالت الدكتورة وفاء علي، أستاذ الاقتصاد والطاقة، إن إغلاق مضيق هرمز يمثل تهديدًا كبيرًا للاقتصاد العالمي، لأن المضيق يمر من خلاله نحو 20% من نقلات النفط العالمية. وأضافت أن الغلق سيؤدي إلى عودة موجات التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الشحن، وهو ما يجعل أثر الصدمة أسرع من قدرة الحكومات على الاحتواء.

 

وبالتالي فإن ميزان الطاقة لم يعد مجرد بند فني داخل حسابات الاستيراد، بل صار نقطة التقاء لكل الضغوط التي حذر منها التقرير. كل ارتفاع في تكلفة الوقود يزيد عبء الاستيراد، وكل زيادة في الشحن ترفع الأسعار المحلية، وكل توسع في الدعم يضغط على الموازنة، ثم يعود هذا كله ليصيب الحساب الجاري والاحتياطيات الأجنبية. هذه هي الدائرة التي تضع الاقتصاد المصري أمام هشاشة مكشوفة.

 

وفي المحصلة، يكشف تقرير أليانز أن الاقتصاد المصري لا يواجه أثر حرب إقليمية من موقع متماسك، بل من موقع مثقل بعجز مالي قائم وحساب جارٍ متسع وميزان طاقة معرض للاضطراب. وعندما تتجاور هذه الملفات مع الاعتماد الكبير على تحويلات الخليج، تصبح الصدمة الخارجية أسرع من أدوات المعالجة الحكومية. لذلك فإن الخطر الحالي لا يتعلق فقط بما قد تفعله الحرب، بل بما تكشفه الحرب من هشاشة مؤجلة داخل بنية الاقتصاد نفسه.