لم يعد ما خرج من داخل مخازن هيئة الثروة المعدنية مجرد شكوى عمالية يمكن وضعها في خانة التذمر الإداري المعتاد، لأن الفيديو المتداول الذي نشرته شبكة رصد على منصة إكس مساء 5 أبريل 2026 قدم اتهامًا محددًا ومباشرًا يتعلق بتكهين معدات جديدة وبيع أصول مملوكة للدولة بسعر الخردة، مع إرفاق لقطات مصورة من المخازن وصور لمستندات قيل إنها تخص لجان الجرد والتسليم والاستلام.
وخطورة ما ورد في المواد المتداولة لا تتعلق فقط بقيمة المعدات التي ظهرت في الفيديو، بل تتعلق أيضًا بطريقة تحويل الأصل من معدة جديدة أو راكدة قابلة للاستخدام إلى خردة منخفضة القيمة على الورق، ثم إخراجها من المخازن في ظل مستندات يقول الفيديو إنها بلا أختام مكتملة ولا تسعير واضح ولا توقيعات مستوفاة.
وهذه الوقائع، إذا صحت كما وردت في الصور والمستندات المتداولة، لا تعني مخالفة إدارية محدودة، بل تعني عبثًا منظمًا في المال العام داخل جهة رسمية تتبع وزارة البترول، وتحمل حاليًا المسمى الرسمي هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية.
اللافت في هذا الملف أن من فتحه أمام الرأي العام بشكل واضح لم يكن بيانًا رسميًا ولا تحقيقًا حكوميًا معلنًا، بل منشورًا مصورًا بثته شبكة رصد بعنوان واضح يتهم بوجود فضيحة داخل الهيئة، بينما لا يظهر في المواد المتاحة اسم العامل أو المسؤول الداخلي الذي بدأ الإبلاغ الأول داخل المؤسسة.
ومع ذلك فإن مضمون الفيديو نفسه يحدد جوهر القضية بدقة، إذ يتحدث عن معدات زيرو سجلت على أنها راكد، وأصول دولة بيعت بسعر الخردة، ومخالفات جرد، ومستندات ناقصة، وتقارير قيل إن القيادة العليا أُخطرت بها ثم تجاهلتها. هذا التسلسل يجعل القضية أقرب إلى ملف مكتمل العناصر من حيث الاتهام والوقائع الظاهرة بصريًا، لا إلى شائعة مبعثرة.
كما أن الهيئة التي تتولى ملف الثروة المعدنية في مصر تعمل اليوم ضمن هيكل رسمي جديد أعلنته وزارة البترول ومجلس الوزراء في 2025، ما يزيد من حساسية أي اتهام يتعلق بحفظ الأصول والرقابة على المخازن والمعدات العامة.
فضيحة في هيئة الثروة المعدنية.. أصول الدولة تُباع تحت أعين القيادات والمعدات تُسجل كخردة pic.twitter.com/FDGkb5t9NO
— شبكة رصد (@RassdNewsN) April 5, 2026
المنشور العلني حدد الاتهام وفتح باب المساءلة
ثم بدأ الملف علنًا من منشور شبكة رصد الذي وضع اتهامًا مركزيًا في صدر القضية، وهو أن أصول الدولة داخل هيئة الثروة المعدنية تباع تحت أعين القيادات بينما تسجل المعدات الجديدة كخردة. هذا التوصيف لم يأت بصيغة عامة، لأن الفيديو عرض لقطات لمقطورات وشاحنات ومواسير ومعدات ثقيلة، ثم ربطها مباشرة باتهام البيع بأقل من قيمتها الحقيقية.
وبعد هذا العرض المصور، انتقل الفيديو إلى نقطة أشد خطورة تتعلق بطريقة التوصيف الدفتري للأصول. المادة المتداولة تقول إن معدات زيرو سجلت على أنها راكد، وإن هذا الوصف استخدم تمهيدًا لإخراجها من المخازن. هذا الفارق مهم لأن تحويل الأصل من جديد أو صالح للاستعمال إلى راكد أو خردة هو الخطوة التي تحدد سعره الرسمي وطريقة التصرف فيه.
كما أن المواد المتداولة لم تعرض المخازن وحدها، بل عرضت صورًا لمستندات قيل إنها تخص لجان جرد وتسليم واستلام داخل الهيئة. بعض اللقطات المصورة ركزت على غياب الأختام أو غياب التسعير أو وجود توقيعات غير مكتملة، ثم ربطت ذلك بتضليل لجنة الجرد السنوية وإخفاء القيمة الحقيقية للأصول. عند هذه النقطة لم يعد الاتهام متعلقًا بالإهمال وحده، بل بآلية ورقية تتيح تمرير التصرف.
وفي هذا السياق، يشدد الدكتور محمد فريد، الرئيس السابق للهيئة العامة للرقابة المالية ووزير الاستثمار الحالي، على أن الحوكمة ليست إجراءً شكليًا بل ركيزة أساسية لنمو واستدامة الأعمال، وأن قواعد الحوكمة والرقابة الداخلية هي التي تضبط القرار وتحمي الأصول من الانحراف الإداري. وهذه القاعدة تكتسب وزنًا مباشرًا هنا، لأن جوهر الاتهام يدور حول غياب الضبط المؤسسي داخل دورة الجرد والتصرف في الممتلكات العامة.
الجرد الناقص يخفض القيمة ويفتح باب البيع بثمن بخس
ثم تتضح خطورة المخالفات أكثر عندما يجري ربط الجرد الناقص بنتيجة مالية مباشرة، لأن الأصل العام لا يفقد قيمته في الواقع أولًا بل يفقدها على الورق أولًا. فإذا سُجلت المقطورة الجديدة أو المعدة غير المستخدمة باعتبارها راكدًا أو خردة، فإن الجهة التي تتصرف فيها تبرر لاحقًا البيع بسعر متدنٍ استنادًا إلى هذا التوصيف المكتبي لا إلى حالتها الحقيقية.
ولذلك ركز الفيديو على عبارات محددة من نوع تضليل لجنة الجرد السنوية وإخفاء القيمة الحقيقية للأصول. هذا الربط مهم لأن الجرد في الجهات العامة ليس خطوة ثانوية، بل هو الأساس الذي يحدد بقاء الأصل في الخدمة أو نقله أو استبعاده أو بيعه. وكل عبث في هذه المرحلة ينعكس مباشرة على المال العام وعلى مسؤولية من أعد المحاضر وراجعها واعتمدها.
كما أن اللقطات التي عرضت مقطورات جديدة وآلاف المواسير وعشرات الأطنان من المعدات الزيرو تعزز الاتهام بأن الحديث لا يدور عن بقايا مستهلكة أو معدات متهالكة خرجت من الخدمة طبيعيًا. المواد المعروضة تشير إلى أصول ما زالت قابلة للاستخدام أو لم تدخل الخدمة أصلًا، وهو ما يرفع مستوى الشبهة إذا اقترن هذا الظهور البصري بوصف دفتري منخفض القيمة.
وفي هذا الإطار، يقول الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن أصول الدولة ليست مجرد بنود قابلة للبيع كيفما اتفق، بل هي موارد اقتصادية مملوكة للشعب ولا يجوز التفريط فيها. أهمية هذا الرأي هنا أنه يضع المسألة في إطارها الصحيح، لأن القضية لا تتعلق بمخزن صغير ولا صفقة محدودة، بل تتعلق بأصل عام إن جرى خفض قيمته عمدًا فإن الضرر يقع مباشرة على حق المجتمع في ملكيته العامة.
المستندات الناقصة وتحذيرات المال العام ترفع مستوى الاتهام
ثم يرتفع مستوى الاتهام أكثر مع الجزء الخاص بالمستندات، لأن الفيديو لم يكتف بعرض صور عامة لأوراق داخلية، بل ركز على مستندات قيل إنها بلا أختام وبلا تسعير وبلا توقيعات مكتملة، مع الإشارة إلى توقيع على بياض في بعض الأوراق. هذا التفصيل مهم لأن أي تصرف في أصل عام يفترض أن يمر عبر سلسلة توثيق واضحة ومراجعة قابلة للتتبع والمساءلة.
وبعد ذلك أضاف الفيديو عنصرًا آخر لا يقل خطورة، حين قال إن القيادة العليا أُخطرت رسميًا لكنها تجاهلت التقارير. هذا الاتهام، إن ثبت، ينقل المسؤولية من مستوى موظفين منفذين أو لجان جرد إلى مستوى إداري أعلى داخل الهيئة. وهنا تصبح القضية مزدوجة، لأن الشبهة لا تعود مقصورة على التلاعب في الوصف أو التسعير، بل تمتد إلى تعطيل التصحيح رغم وصول الإخطار.
كما أن وجود صور لمحاضر استلام وتسليم وجرد داخل الفيديو يجعل ملف المستندات هو الحلقة الأكثر حساسية في القضية كلها. المعدات الظاهرة في المخزن يمكن إنكار حالتها أو الجدل بشأن تقييمها، لكن المستند الذي يخلو من الختم أو يفتقد التسعير أو يحمل توقيعًا غير مكتمل يفتح بابًا قانونيًا مباشرًا يتعلق بصحة الإجراء نفسه قبل مناقشة نية من حرره أو اعتمده.
وفي هذا المستوى، كتب المحامي بالنقض نجاد البرعي في تناولاته الخاصة بحماية المال العام أن التشريع المصري جرم الاعتداء على المال العام والاستيلاء عليه أو الإضرار به، كما خصص عملًا كاملًا لآليات حماية المال العام وأسباب إهداره. استدعاء هذا المعنى هنا ليس تفصيلًا نظريًا، لأن جوهر الفيديو المتداول يقوم على اتهام مباشر بإهدار أصل عام عبر أوراق ناقصة وإجراءات مشوبة بالنقص وتجاهل للمساءلة.
وأخيرًا، يضع هذا الملف هيئة الثروة المعدنية أمام اختبار لا يحتمل التسويف، لأن القضية خرجت من حدود الشكوى الداخلية إلى فضاء علني مصحوب بلقطات من المخازن وصور لمستندات وأوصاف دقيقة للوقائع المتهمة.
وإذا كانت الجهات المعنية ترى أن ما نشر غير صحيح، فإن الرد لا يكون بالصمت بل بتحقيق معلن، وجرد مستقل، وفحص كامل لكل المعدات التي ظهرت في الفيديو، ومراجعة كل محاضر البيع والتكهين والتسليم والاستلام. أما إذا ثبتت صحة ما هو متداول، فإن القضية تصبح ملف مال عام مكتمل الأركان، عنوانه الواضح أن معدات جديدة بيعت بسعر الخردة داخل هيئة رسمية، وأن الجرد الناقص والمستندات المضطربة لم يكونا خطأ عابرًا بل بوابة مباشرة لتصفية أصول الدولة بعيدًا عن قيمتها الحقيقية.

