عاد مشروع قانون الإدارة المحلية إلى مجلس النواب في أبريل 2026 محملا بالأسباب نفسها التي أسقطته سياسيا وبرلمانيا من قبل، لا بوصفه تشريعا جاهزا لاستكمال الاستحقاق الدستوري، بل بوصفه نصا قديما أعادته الحكومة من الأدراج بعدما فشلت لسنوات في إنتاج قانون يحترم الدستور ويفتح الطريق أمام مجالس محلية منتخبة تملك صلاحيات حقيقية.
اللجنة المشتركة من الإدارة المحلية والخطة والموازنة والشؤون الدستورية بدأت مناقشة المشروع هذا الأسبوع، لكن هذه العودة لم تبدد الغضب، لأنها أعادت إلى المشهد قانونا سبق أن رفضه المجلس في مناقشات سابقة، وعادت معه الأسئلة نفسها عن اللامركزية والتمثيل والرقابة وحدود سلطة المحافظين.
هذا الغضب لا يصدر فقط عن أحزاب معارضة بالمعنى التقليدي، بل عن طيف واسع من النواب والهيئات البرلمانية التي أعلنت في مناقشات سابقة رفض المشروع أو المطالبة بإعادته للجنة المختصة وتعديله جذريا. أشرف رشاد أعلن رفض حزب مستقبل وطن للمشروع لأنه يعادي الشباب، وأيمن أبو العلا رفضه بسبب مشكلات دستورية، وسليمان وهدان طالب بإعادته إلى اللجنة لمعالجة الإشكاليات، وياسر عمر تحدث عن عوار دستوري في مواد تتعارض مع مواد الدستور من 176 إلى 183، فيما أعلن حزب الوفد عبر السيد البدوي إعداد مشروع جديد من الأساس. لذلك لا تبدو الأزمة خلافا على مادة أو مادتين، بل رفضا واسعا لمشروع يراه معترضوه غير صالح بصيغته الحالية.
رفض واسع داخل البرلمان لأن النص يعيد الأزمة ولا يحلها
ومن هذه الزاوية، لم يأت رفض القانون من فراغ، لأن الجلسات السابقة نفسها سجلت موقفا علنيا من نواب وأحزاب رأوا أن النص لا يحقق التوازن المطلوب ولا يقدم إدارة محلية حديثة. بوابة البرلمان نقلت في ديسمبر 2019 رفض أشرف رشاد للمشروع باعتباره “معاديا لطموحات الشباب”، كما نقلت رفض أيمن أبو العلا رئيس الهيئة البرلمانية للمصريين الأحرار، مع تأكيده وجود تخوفات حزبية ومشكلات دستورية في المشروع. هذا السجل البرلماني القديم عاد الآن دفعة واحدة مع إعادة المشروع إلى المناقشة.
ثم اتسع الرفض ليشمل الوفد وحماة الوطن والشعب الجمهوري داخل الجلسة نفسها. سليمان وهدان طالب بإعادة المشروع إلى اللجنة النوعية لمعالجة الإشكاليات، وقال إن المحليات تضم أزمات فعلية تتعلق بالفصل المالي بين المحافظات، والتداخلات الإدارية، وترسيم الحدود، وإن المشروع لا يواكب حل المشكلات المنتشرة في المحليات. وفي السياق نفسه، قال السيد حسن إن المرحلة لا تحتمل إصدار القانون بهذه الصيغة بسبب ما وصفه بالعوائق الدستورية. هذا يعني أن الاعتراض لم يكن تكتيكا حزبيا عابرا، بل اعتراضا على جوهر البناء القانوني ذاته.
كما أعلن محمد أبو هميلة وصلاح أبو هميلة من حزب الشعب الجمهوري أن البيئة المحلية غير مؤهلة لهذا القانون، وأن الأحزاب نفسها ليست جاهزة لخوض انتخابات بهذه الصيغة، خاصة مع نسب القوائم والفردي المطروحة حينها. الاعتراض هنا لا ينطلق من الرغبة في التعطيل، بل من الخشية من تمرير قانون يدفع البلاد إلى انتخابات غير متوازنة تنظيما وتمثيلا، ثم ينتهي إلى مجالس ضعيفة أو مطعون عليها سياسيا وقانونيا منذ اليوم الأول.
وبعد ذلك، جاء كلام ياسر عمر ليمنح جبهة الرفض غطاء دستوريا أكثر وضوحا، حين قال إن هناك إجماعا بين النواب على رفض القانون بسبب مخالفة بعض مواده للدستور، وإن هذه المواد تتعارض مع النصوص الدستورية المنظمة للإدارة المحلية من 176 إلى 183. كما أشار إلى أن الإصرار على تمرير القانون من دون علاج هذا العوار قد يفتح الباب أمام دعاوى قضائية تنتهي بحل المجالس المحلية بعد انتخابها. هذا ليس تحفظا إجرائيا، بل تحذير مباشر من تشريع معيب يولد مهددا بالسقوط.
الرافضون يطعنون في الصياغة لأن الحكومة أعادت نصا يلاحقه العوار الدستوري
وبسبب هذا المسار، لم يعد ممكنا التعامل مع المشروع بوصفه مجرد قانون تأخر صدوره. الشروق ذكرت أن الحكومة كانت قد قدمت مشروعها خلال الفصل التشريعي الأول في 2016، وأنه خضع لحوار مجتمعي وانتهت اللجنة من مناقشته، ثم لم يستقر في الجلسة العامة، قبل أن يعود اليوم إلى البرلمان من جديد. هذه العودة إلى نص له تاريخ طويل من التعثر تعني، بالنسبة إلى الرافضين، أن الحكومة لم تراجع أصل الأزمة، بل أعادت إنتاجها في توقيت جديد.
ثم أضاف السيد البدوي بعدا آخر للاعتراض عندما أعلن في 28 فبراير 2026 أن الهيئة البرلمانية لحزب الوفد تعتزم التقدم بمشروع قانون جديد للإدارة المحلية، وأن الحزب يراجع مشروعا متكاملا أعده أحمد السجيني وشارك فيه محمد فؤاد وشريف بهجت منذ سنوات. مجرد إعلان الوفد أنه يتحرك لتقديم مشروع بديل يثبت أن الاعتراض لم يعد مجرد مطالبة بتعديل مواد متناثرة، بل تطورا إلى قناعة بأن النص الحكومي نفسه لا يصلح أساسا للبناء عليه.
وفي هذا الإطار، يبرز رأي اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق، الذي قال في مايو 2025 إن قانون الإدارة المحلية القائم لا يتناسب مع احتياجات مصر الحالية، وإن تأخر إصدار قانون جديد عطّل تحقيق اللامركزية وأضعف قدرة المحافظين على إدارة الموارد وتنفيذ التنمية. هذا التوصيف يكشف أن الغضب من المشروع ليس غضبا من فراغ تشريعي فقط، بل من استمرار عقلية حكومية تتحدث عن اللامركزية بينما تعيد تقديم نصوص لا تعالج جذور المركزية القديمة.
كما يتضح العوار في الجدل الذي أثاره مشروع النائب عطية الفيومي بشأن تخصيص تنظيم خاص للعاصمة الإدارية تحت اسم “ممفيس”. الدكتور عبد الله المغازي، أستاذ القانون الدستوري، قال في فبراير 2026 إن تعيين مجلس أمناء لإدارة وحدة إدارية جديدة بينما تُنتخب المجالس المحلية في سائر الوحدات الأخرى يمثل إخلالا بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، ويخالف فلسفة الدستور التي تقوم على الانتخاب كأساس لإدارة الشأن المحلي. هذا الكلام يضرب واحدة من أخطر النقاط في الصياغات المطروحة أخيرا، ويكشف أن الحكومة والبرلمان يتحركان في مساحة قانونية مثقلة بالمخالفات المحتملة.
وبعد ذلك، تصبح دعوات الحوار المجتمعي التي تكررت في الأيام الأخيرة دليلا إضافيا على هشاشة المشروع لا على قوته. وكيل لجنة الإدارة المحلية محمد الداجن قال إن المناقشات قد تستغرق نحو 3 أشهر، وإنه يرفض التعجل في إصدار القانون حتى يخرج بصورة مرضية للمجتمع. هذا الكلام بحد ذاته اعتراف بأن النص المطروح لا يحتمل المرور السريع، وأن الخوف من تمريره قبل التعديل أوسع من أن يكون مجرد موقف معارض معزول.
مشروع يهمش الشباب ويؤجل الرقابة الشعبية ويعيد المركزية باسم الإصلاح
ومن هنا، يصل غضب الرافضين إلى نقطة أكثر حساسية، وهي أن المشروع لا يهدد فقط سلامته الدستورية، بل يهدد أيضا معنى المجالس المحلية نفسها. أشرف رشاد قال صراحة إن المشروع يعادي الشباب ولا يتماشى مع تطلعاتهم، وهو اعتراض شديد الدلالة لأن المحليات يفترض أن تكون المدخل الطبيعي لتجديد النخبة السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة. وحين يخرج هذا التوصيف من رئيس حزب الأغلبية البرلمانية في وقت من الأوقات، فإن الرسالة تكون أوضح من أي خطاب معارض تقليدي.
ثم إن النقاش الوطني السابق حول المحليات كشف أن غياب الشباب والمرأة والعمال والفلاحين عن الطاولة نفسها كان جزءا من المشكلة. عمرو هاشم ربيع، عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، استنكر في جلسات الحوار عدم وجود مجالس محلية حتى الآن، وقال إن غياب الشباب والمرأة والفلاحين والعمال عن مناقشات المحليات أمر معيب ومخالف للدستور لأنهم مكون رئيسي للعملية الانتخابية وشرط أساسي لإتمامها. هذا الرأي يلتقي مباشرة مع اعتراض الرافضين الذين يرون أن القانون يُصاغ فوق المجتمع لا معه.
كما أن عبد الحميد كمال شدد في جلسات الحوار الوطني على أن منح المجالس المحلية صلاحيات رقابية حقيقية، بما فيها الاستجواب وسحب الثقة، ضرورة لمنع الفساد وعدم إهدار المال العام. أهمية هذا الكلام أنه يضع يده على ما يخشاه كثير من الرافضين، وهو أن يخرج القانون الجديد منزوع الأنياب الرقابية، فيحوّل المجالس المحلية إلى هياكل انتخابية شكلية بدلا من أن تكون سلطة رقابة ومساءلة على المحافظين ورؤساء الوحدات المحلية.
وبينما تتحدث الحكومة عن اللامركزية، يبقى الواقع كما هو منذ أكثر من 12 عاما من دون مجالس محلية منتخبة. هذا الفراغ الطويل هو نفسه ما دفع إسلام الجندي، ممثل حزب العدل في الحوار الوطني، إلى القول إن عدم وجود محليات طوال هذه السنوات يمثل تأصيلا للفساد، وإن منح صلاحيات حقيقية للمجالس الجديدة يستوجب ألا يسيطر حزب واحد أو تيار واحد على المحليات. من هنا يصبح رفض المشروع بصيغته الحالية دفاعا عن التعدد والرقابة، لا مجرد اعتراض على توقيت المناقشة.
وأخيرا، لا ينظر الرافضون إلى مشروع الإدارة المحلية بوصفه استحقاقا دستوريا مؤجلا فقط، بل بوصفه اختبارا سياسيا حاسما يكشف ما إذا كانت الدولة تريد فعلا محليات منتخبة تراقب وتساءل وتوزع السلطة، أم تريد قانونا مرتبكا يمرر على عجل ثم يعيد إنتاج المركزية تحت عنوان جديد. لذلك فإن الغضب من المشروع ليس غضبا من فكرة القانون، بل من نص يلاحقه العوار الدستوري، ويقصي الشباب، ويؤجل التمثيل الحقيقي، ويضعف الرقابة الشعبية. وإذا أصر البرلمان على تمرير هذا المشروع من دون تعديلات جذرية، فإنه لن يكون قد استكمل الاستحقاق الدستوري، بل سيكون قد شرعن أزمة جديدة باسم الإصلاح.

