أقر بنيامين نتنياهو بأن سكان الشمال الإسرائيلي “يعيشون مرحلة صعبة” بعدما انتهت عملية بحث طويلة في حيفا بانتشال 4 قتلى من تحت أنقاض مبنى سكني دمره صاروخ إيراني، في واقعة هزت صورة الحماية التي تروج لها حكومة الاحتلال منذ بدء الحرب على إيران في 28 فبراير 2026.
هذا الإقرار لم يأت في لحظة سياسية عادية، بل جاء بعد ضربة أصابت مبنى في مدينة يفترض أنها محصنة بمنظومات إنذار واعتراض متعددة، ثم بعد ساعات من مطالبة نتنياهو السكان بالالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية، في اعتراف ضمني بأن الحكومة لا تملك للمدنيين في الشمال سوى خطاب الصمود والانضباط، بينما تواصل الحرب التي وسعت دائرة الخطر عليهم.
تكشف هذه الواقعة أن الأزمة لم تعد محصورة في نتائج الصواريخ الإيرانية وحدها، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمصداقية القيادة الإسرائيلية نفسها. فنتنياهو عبّر عن أسفه لمقتل 4 أشخاص، لكن هذا الأسف جاء بعد ضربة تسببت في انهيار مبنى واندلاع حريق، وبعد تحقيق أولي قال إن الصاروخ تفكك في الجو، وإن جزءه القاتل لم يُرصد كما ينبغي. ومع اتساع القصف المتبادل، تبدو الجبهة الداخلية الإسرائيلية أقل تماسكا مما تعرضه البيانات الرسمية، خصوصا في الشمال الذي يعيش تحت ضغط الصواريخ من إيران ولبنان في وقت واحد.
فشل الاعتراض في حيفا يضع الشمال تحت ضغط مباشر
وبحسب المعطيات التي نشرتها وسائل إسرائيلية صباح الاثنين 6 أبريل 2026، بدأت أعمال البحث عن المفقودين في مبنى حيفا منذ مساء الأحد، ثم أُعلن تباعا عن العثور على الجثامين الأربعة بعد عملية استمرت ساعات طويلة تحت الأنقاض. هذا التسلسل الزمني منح الحادث ثقلا إضافيا، لأن الدولة لم تواجه مجرد أضرار مادية، بل واجهت مشهدا إنسانيا ممتدا فرض نفسه على الرأي العام طوال الليل وحتى الظهر.
ثم زادت خطورة الحادث بعدما قال التحقيق الأولي إن الصاروخ الإيراني تفكك في الجو، وإن رأسه الحربي لم ينفجر لكنه أصاب المبنى مباشرة، ما أدى إلى انهياره واشتعال النار فيه. كما أفادت تقارير عبرية بأن المبنى كان مكونا من 7 طوابق، وأن الهجوم أسفر أيضا عن إصابة شخص بجروح خطيرة و7 آخرين بجروح طفيفة، وهو ما يوضح أن الخلل لم يكن في شدة القصف فقط، بل في قدرة منظومة الاعتراض على منع الإصابة المباشرة.
وفي هذا السياق، قال مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن، إن التحدي الرئيسي أمام إسرائيل في الحرب الحالية يتمثل في الاستمرار في ضرب إيران، وفي الوقت نفسه الدفاع عن الجبهة الداخلية من الصواريخ والطائرات المسيّرة. أهمية هذا التقدير أنه يربط بين قرار التصعيد الخارجي وبين الثمن الداخلي المباشر، لأن ما جرى في حيفا يبين أن اتساع الحرب يضغط على الداخل الإسرائيلي بقدر ما يضغط على خصومه.
كما أن صورة الحماية نفسها تعرضت لاهتزاز جديد، لأن الضربة لم تقع في بلدة حدودية صغيرة بل في حيفا، المدينة الصناعية الكبرى في الشمال. وحين تسقط الجثث من تحت الأنقاض بعد ساعات من البحث، فإن معنى ذلك أن الخطاب الرسمي عن الجاهزية الكاملة لا يصمد وحده أمام الوقائع. لذلك بدت دعوة نتنياهو إلى الالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية أقرب إلى محاولة احتواء الخوف الشعبي من كونها جوابا فعليا عن سبب فشل الحماية.
نتنياهو يطلب الصمود بينما تتسع أزمة الثقة في الشمال
ومع انتقال الحكومة إلى خطاب التماسك، برزت فجوة واضحة بين ما تطلبه السلطة من السكان وما توفره لهم فعليا. نتنياهو ناشد سكان الشمال الالتزام بالتعليمات، كما سبق أن طلب من رؤساء السلطات المحلية العمل على منع السكان من مغادرة بلداتهم، بينما نقلت تقارير إسرائيلية غضبا متصاعدا في المجتمعات الشمالية من ضعف الحماية ومن محدودية استجابة الحكومة لاحتياجات المدنيين، وخصوصا كبار السن وذوي الإعاقة الذين يصعب عليهم الوصول إلى الملاجئ في الوقت القصير المتاح.
وبينما تحاول الحكومة تقديم هذا الخطاب باعتباره إدارة للأزمة، فإن واقع الشمال يقول شيئا آخر. الدراسات الإسرائيلية نفسها تحدثت عن فجوة عميقة بين نظرة السلطات لشروط العودة الآمنة وبين نظرة السكان، كما أشارت إلى أن أزمة الثقة تفاقمت بسبب الاستجابة الحكومية غير الكافية. وهذا يعني أن مقتل 4 في حيفا لا يضيف فقط رقما جديدا إلى الخسائر، بل يوسع أيضا الشك في قدرة القيادة على حماية من تطالبهم بالبقاء والصمود.
وفي هذا الإطار، كتب عساف أوريون، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي والرئيس السابق لشعبة التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، أن الهجمات المباشرة الكبرى من إيران وحزب الله يمكن أن تحول القتال إلى حرب إقليمية طويلة، وأن إسرائيل تحتاج إلى استراتيجية جديدة وإلى جبهة داخلية موحدة. دلالة هذا الرأي أن مأزق نتنياهو لا يرتبط بحدث حيفا وحده، بل يرتبط بحرب توسعت أسرع من قدرة الحكومة على ضبط آثارها الداخلية.
لذلك لم يعد ممكنا فصل قلق نتنياهو المعلن عن مأزقه السياسي الفعلي. فكلما طالب السكان بالالتزام والانضباط، عاد الواقع ليفرض سؤالا أكثر إحراجا عن حدود القوة التي يدير بها هذه الحرب. وحين تكون الاستجابة الرسمية بعد ضربة مميتة هي الدعوة إلى مزيد من الالتزام، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى السكان تقول إن الدولة لا تعدهم بالأمان، بل تطلب منهم التكيف مع غيابه.
من حيفا إلى إيران ولبنان تتسع كلفة الحرب على الجميع
وبعد حيفا، لا تبدو الضربة معزولة عن السياق الأوسع للحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026. فبحسب متابعة الجزيرة حتى صباح الاثنين 6 أبريل، أسفرت الضربات الإيرانية على إسرائيل عن مقتل 26 شخصا وإصابة 6951 آخرين، بينما تسببت الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران في مقتل 2076 شخصا وإصابة أكثر من 26500. هذه الأرقام تضع حادث حيفا داخل مشهد أوسع تتزايد فيه الكلفة البشرية على الجانبين بصورة متسارعة.
إلى جانب ذلك، امتدت الحرب بقوة إلى لبنان منذ 2 مارس، حيث أفادت وكالة أسوشيتد برس اليوم بأن القتال المستمر أودى بأكثر من 1400 شخص هناك، وسط اتهامات متزايدة لإسرائيل باستهداف البنية الصحية وفرق الإسعاف. هذا الامتداد يضاعف الضغط على الشمال الإسرائيلي، لأن السكان هناك لا يواجهون الصواريخ الإيرانية وحدها، بل يعيشون أيضا تحت أثر النار المفتوحة مع لبنان، بما يطيل أمد الاستنزاف ويضاعف احتمالات الضربات المتزامنة.
وفي هذا السياق، قال راز زيمت، الباحث المختص بالشأن الإيراني في معهد دراسات الأمن القومي، إن إيران تتحرك في اتجاه أكثر تشددا، وإن دوافعها نحو التصعيد ارتفعت بصورة كبيرة بعد التحولات التي أصابت قيادتها خلال الحرب. أهمية هذا التقدير أنه يفسر لماذا لا يبدو حادث حيفا محطة منفصلة، بل جزءا من مسار تصعيد مفتوح يجعل الشمال الإسرائيلي تحت ضغط مستمر، ويجعل حديث نتنياهو عن “مرحلة صعبة” وصفا متأخرا لا أكثر.
وأخيرا، يثبت مقتل 4 إسرائيليين في حيفا أن الحرب التي قدمها نتنياهو باعتبارها معركة ردع محسوبة أصبحت ترتد على الداخل الإسرائيلي نفسه بكلفة متزايدة. فقلق رئيس الحكومة لم يأت من فراغ، بل جاء بعد انهيار مبنى، وفشل اعتراض، وانتشال جثث، واتساع غضب سكان الشمال، وتواصل الحرب على إيران ولبنان من دون أفق واضح. لذلك فإن جوهر المشهد اليوم ليس مجرد ضربة صاروخية ناجحة، بل مأزق سياسي وأمني يتكشف داخل إسرائيل كلما طالت الحرب وتراجعت قدرة السلطة على إخفاء آثارها.

