طالبت 10 منظمات حقوقية السلطات الليبية بالكشف عن مصير المعارض السياسي المصري محمود محمد فتحي، رئيس حزب الفضيلة ومؤسس تيار الأمة، وزوجته هدى محمد أنور، بعد مرور نحو أربعة أشهر على اختفائهما في العاصمة طرابلس، وانقطاع الاتصال بهما منذ 19 يوليو 2026، وسط مخاوف من تعرضهما للاختفاء القسري أو نقلهما إلى مصر وتسليمهما للسلطات هناك.
وقالت المنظمات، في بيان حقوقي مشترك، إن فتحي وزوجته يحملان الجنسيتين المصرية والتركية، ووصلَا إلى العاصمة الليبية في 11 يوليو 2026، قادمين من مدينة إسطنبول عبر المنافذ الرسمية، قبل أن تنقطع أخبارهما بعد مرور 8 أيام فقط على وصولهما، دون أن تتمكن أسرتاهما من تحديد مكان وجودهما أو معرفة الجهة المسؤولة عن اختفائهما.
وأثار استمرار الغموض بشأن مصير الزوجين مخاوف المنظمات الموقعة على البيان، خصوصًا في ظل عدم وجود معلومات رسمية تؤكد ما إذا كانا محتجزين لدى جهة أمنية في طرابلس، أو جرى نقلهما إلى الأراضي المصرية، في وقت تتحدث فيه أسرتهما عن تلقي روايات متضاربة بشأن مكان وجودهما.
وحذرت المنظمات من احتمالات تسليم محمود فتحي إلى السلطات المصرية، مشيرة إلى أنه يواجه أحكامًا قضائية غيابية تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد، وهو ما يثير مخاوف بشأن سلامته الشخصية واحتمال تعرضه لانتهاكات، فضلًا عن ضمانات المحاكمة العادلة في حال تسليمه.
روايات متضاربة حول مكان الزوجين
كشف البيان الحقوقي عن تلقي أسرتي محمود فتحي وزوجته معلومات متباينة بشأن مصيرهما، إذ أشارت إحدى الروايات إلى نقلهما قسرًا إلى القاهرة، في إطار تنسيق محتمل بين أجهزة أمنية تابعة لحكومة الوحدة الوطنية الليبية والسلطات المصرية.
وفي المقابل، تحدثت معلومات أخرى عن احتمال استمرار احتجازهما لدى جهات أمنية داخل العاصمة طرابلس، دون السماح لهما بالتواصل مع ذويهما أو الكشف عن مكان وجودهما بصورة رسمية.
ولم تتمكن الأسرتان من التحقق من صحة أي من الروايتين، في ظل غياب المعلومات المؤكدة بشأن مصير الزوجين، وعدم صدور توضيحات من الجهات الليبية أو المصرية المعنية.
وأوضح البيان أن أسرتي المختفيين لم تكتفيا بمحاولات التواصل المباشر مع السلطات، بل لجأتا أيضًا إلى محامين ليبيين، وطلبتا المساعدة من الجهات المختصة في ليبيا وتركيا، في محاولة للوصول إلى معلومات بشأن مكان احتجازهما والظروف المحيطة باختفائهما.
ورغم تعدد هذه التحركات، لم تسفر الجهود عن الحصول على إجابات حاسمة، وهو ما زاد من حالة القلق لدى أفراد الأسرتين، خصوصًا مع مرور أشهر على انقطاع الاتصال بالزوجين وعدم معرفة ما إذا كانا لا يزالان داخل ليبيا.
مخاوف من تسليم المعارض إلى مصر
يمثل احتمال نقل محمود فتحي إلى مصر أحد أبرز أسباب القلق التي عبرت عنها المنظمات الحقوقية، في ظل الأحكام القضائية الغيابية الصادرة بحقه، والتي تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد، بحسب ما ورد في البيان المشترك.
وترى المنظمات أن أي إجراء لتسليمه إلى سلطات عبدالفتاح السيسي قد يعرضه لمخاطر جسيمة، خصوصًا في ظل المخاوف المتعلقة بسلامته الجسدية والنفسية، واحتمالات تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة أو المحاكمة التي لا تتوافر فيها الضمانات القانونية الكافية.
كما يثير اختفاء زوجته هدى محمد أنور مخاوف إضافية، لا سيما أن البيان أشار إلى معاناتها من ظروف صحية حرجة، الأمر الذي يتطلب، بحسب المنظمات، توفير الرعاية الطبية اللازمة لها وعدم تعريض حياتها للخطر نتيجة استمرار احتجازها بمعزل عن العالم الخارجي.
وشددت المنظمات على أن الكشف عن مكان الزوجين يمثل أولوية عاجلة، سواء ثبت احتجازهما داخل ليبيا أو نقلهما إلى مصر، مطالبة بضمان عدم تعرضهما لأي إجراءات انتقامية بسبب نشاطهما أو مواقفهما السياسية.
مطالب مباشرة للمجلس الرئاسي والحكومة
وجهت المنظمات الحقوقية مطالب إلى المجلس الرئاسي الليبي وحكومة الوحدة الوطنية وجهاز المخابرات، دعت خلالها إلى الكشف الفوري عن ملابسات اختفاء محمود فتحي وزوجته، وتحديد مكان وجودهما والجهة المسؤولة عن احتجازهما، إذا ثبت أنهما لا يزالان داخل الأراضي الليبية.
كما طالبت بالإفراج الفوري عنهما إذا كانا محتجزين لدى أي جهة أمنية دون سند قانوني، مع ضمان سلامتهما الجسدية والنفسية، والسماح لهما بالتواصل المنتظم مع أسرتيهما ومحاميهما، وتمكين ذويهما من الاطمئنان على حالتهما الصحية.
ودعت المنظمات السلطات الليبية إلى توضيح ما إذا كانت قد اتخذت أي إجراءات تتعلق بترحيل الزوجين أو تسليمهما إلى دولة أخرى، والكشف عن الأساس القانوني لأي قرار من هذا النوع، مع الالتزام بالضمانات القانونية والحقوقية المتعلقة بحماية الأشخاص من الإعادة القسرية.
وفي السياق نفسه، طالبت السلطات المصرية بالإفصاح عن مكان وجود الزوجين، إذا كانا قد نُقلا بالفعل إلى الأراضي المصرية، وتوضيح الجهة التي تتولى احتجازهما، مع ضمان حصولهما على الحماية القانونية والرعاية الطبية، خصوصًا في حالة هدى محمد أنور التي تعاني ظروفًا صحية حرجة وفق البيان.
ملف الاختفاء يصل إلى الأمم المتحدة
لم تقتصر التحركات الحقوقية على مخاطبة السلطات الليبية والمصرية، إذ انتقل الملف أيضًا إلى المستوى الدولي، بعدما أحالت منظمة الكرامة الحقوقية، التي تتخذ من جنيف مقرًا لها، قضية اختفاء الزوجين إلى الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للأمم المتحدة، في 2 سبتمبر 2026.
وطالبت المنظمة بتدخل أممي عاجل للتحقق من ظروف اختفاء محمود فتحي وزوجته، والكشف عن مكان وجودهما، والضغط من أجل ضمان سلامتهما وعدم تعرضهما للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الترحيل القسري.
وتكتسب الإحالة أهمية في ظل استمرار غياب المعلومات الرسمية، إذ تتيح للآليات الأممية المعنية بالاختفاء القسري متابعة الحالات التي لا تتوافر بشأنها معلومات موثوقة عن مصير الأشخاص أو أماكن احتجازهم، ومطالبة الدول المعنية بتقديم إيضاحات بشأنها.
كما ناشدت المنظمات البعثة الأممية في ليبيا، إلى جانب الجهات الدولية والتركية المعنية، التدخل لدى السلطات المختصة، والعمل على الحصول على معلومات موثقة بشأن مصير الزوجين، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تعرضهما لأي انتهاكات.
أربعة أشهر من الغموض دون توضيح رسمي
تأتي المطالبات الحقوقية بعد مرور نحو أربعة أشهر على انقطاع الاتصال بمحمود فتحي وزوجته، إذ لم يصدر حتى الآن، وفق المعلومات الواردة في البيان، توضيح رسمي يحسم الجدل بشأن مكان وجودهما أو يكشف حقيقة ما تعرضا له منذ اختفائهما في يوليو الماضي.
ويزيد تضارب الروايات من صعوبة التحقق من مصير الزوجين، خصوصًا مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن احتجازهما، أو تقديم معلومات بشأن الإجراءات التي اتُخذت حيالهما، رغم المحاولات المتكررة التي قامت بها الأسرتان والمحامون للوصول إلى الحقيقة.
وتحذر المنظمات من أن استمرار احتجاز أشخاص دون الكشف عن أماكن وجودهم أو تمكينهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم يفاقم المخاطر المرتبطة بالاختفاء القسري، ويضع السلطات المعنية أمام مسؤوليات قانونية تتعلق بحماية الحق في الحياة والسلامة الشخصية والحرية.
وأكدت أن الأولوية في الوقت الحالي تتمثل في الكشف عن مصير محمود فتحي وهدى محمد أنور، والتحقق من مكان وجودهما وظروف احتجازهما، وضمان عدم تعرضهما للتعذيب أو أي شكل من أشكال المعاملة غير الإنسانية.

