خفّضت الحكومة المصرية إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة والميثانول بنسبة 20%، تزامناً مع السماح للشركات الأجنبية بتصدير نحو 150 ألف متر مكعب يومياً نحو أوروبا، في خطوة تعكس تعارضاً حاداً مع التعهدات الرسمية المعلنة بشأن دعم الإنتاج الصناعي وتعظيم الصادرات الوطنية لمواجهة شح النقد الأجنبي.
​
​
وتأتي هذه الإجراءات الاستثنائية لتعميق أزمة قطاع الطاقة التي تعصف بالبلاد للعام الثالث، وسط تفاقم تكلفة الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي وعجز السلطة الحاكمة عن التوفيق بين متطلبات محطات الكهرباء وحاجة المصانع التصديرية، الأمر الذي يضع خطط التنمية الاقتصادية المزعومة في مواجهة مباشرة مع الواقع المتأزم.
​
​
تقليص إمدادات الغاز للصناعات الوطنية
​
​
وبناءً على تعليمات وزارة البترول، أُخطرت شركات البتروكيماويات والأسمدة ببدء تطبيق الخفض الإجباري اعتبارا من الثاني من نوفمبر ولمدة غير محددة، مبررة ذلك بارتفاع أسعار الغاز المسال عالمياً وتضخم تكلفة الاستيراد، متجاهلة التداعيات السلبية المباشرة على وتيرة التشغيل وخطط الإنتاج للشركات العاملة في القطاع.
​
​
وعلى وقع هذا التراجع المفاجئ، سارعت مصانع الأسمدة إلى احتواء الصدمة التشغيلية عبر إعادة جدولة خطوط الإنتاج والاعتماد على المخزونات السابقة، في حين يمثل الغاز الطبيعي ما بين 60 إلى 70% من إجمالي تكلفة إنتاج طن الأسمدة، وهو ما يهدد برفع تكاليف الإنتاج وتقليص هوامش الأرباح محلياً.
​
​
وفي محاولة للتقليل من وقع القرار، يرى الخبير الصناعي ورئيس شركة أغريتريد لصناعة الأسمدة أحمد هجرس، أن استغلال تراجع الطلب على أسمدة اليوريا شتاءً يتيح خفض الغاز دون المساس بحصص الجمعيات الزراعية أو الأسعار، معتبراً أن هدوء الأسواق الخارجية في أوروبا وأميركا يحد مؤقتاً من الآثار السلبية على الصادرات.
​
​
ومن جهتهم، أكد ممثلون في اتحاد الصناعات المصرية أن تمديد الخفض خلال شهري نوفمبر وديسمبر يفاقم الضغوط التشغيلية على المصانع الكبرى، موضحين أن تقلب الإمدادات يربك العقود التصديرية المستقبلية، ويزيد من صعوبة الوفاء بالالتزامات التعاقدية الدولية في ظل غياب جدول زمني واضح لإنهاء هذه التدابير الحكومية القسرية.
​
​
واتصالاً بهذه التطورات، ترأس رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعاً للجنة المركزية لإدارة الأزمات لمناقشة ترشيد الإنفاق واستهلاك الوقود داخل الهيئات الحكومية وخفض بنود الدعاية، مصدراً توجيهات بعدم المساس بالمنازل، في مسعى لاحتواء القلق الشعبي المتزايد من عودة انقطاع التيار الكهربائي نتيجة تفاقم العجز في إمدادات الغاز.
​
​
وللمفارقة، حذفت منصات مجلس الوزراء البيانات المتعلقة باجتماع الأزمة وخطة التقشف بعد ساعات من نشرها، بينما استمر ظهورها لدى الهيئة العامة للاستعلامات، في تصرف يعكس حالة التخبط والاضطراب التي تلازم الخطاب الحكومي، وخشية المسؤولين من مواجهة الرأي العام بحقيقة تدهور الأوضاع الاقتصادية وتردي كفاءة الإدارة.
​
​
مفارقة التصدير وتفاقم أزمة المحطات
​
​
وفي سياق متصل، سمحت الحكومة بتخصيص نحو 150 ألف متر مكعب يومياً من الغاز للتصدير إلى الأسواق الأوروبية خلال شهر نوفمبر، بقيمة تقارب 60 مليون دولار للشحنة، عبر إعادة الضخ إلى مجمع الإسالة في إدكو، مفضلة مصالح الشركات الأجنبية على حساب احتياجات المصانع المحلية المتعطشة للطاقة.
​
​
ويعزو مسؤول سابق في وزارة البترول هذه التسهيلات إلى خضوع السلطة لضغوط الشركات الكبرى مثل إيني الإيطالية، لتمكينها من تصدير حصصها وتحصيل عوائد دولارية تعوض مستحقاتها المتأخرة، بالإضافة إلى المساهمة في إمداد أوروبا بالوقود لمواجهة الشتاء القارس بعد قرار الاتحاد الأوروبي حظر الغاز الروسي بدءاً من ديسمبر.
​
​
واستناداً إلى التوزيع الاستهلاكي الداخلي، تلتهم محطات توليد الكهرباء وحدها نحو 76% من إجمالي إمدادات الغاز المحلي والمستورد، الأمر الذي دفع حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى التوسع في حرق المازوت كوقود بديل عالي التلويث، في محاولة لتفادي انقطاع التيار الكهربائي مجدداً وتأمين أدنى درجات الاستقرار للشبكة.
​
​
وفي هذا الإطار، يوضح خبير الطاقة والبترول المهندس مدحت يوسف، أن ارتهان قطاع الكهرباء بالكامل لحصص الغاز المحدودة يضغط على بقية القطاعات الإنتاجية، مشيراً إلى أن اللجوء للمازوت يعكس تعثر إدارة ملف الوقود وعجز الحلول الترقيعية عن توفير مزيج طاقة مستدام يضمن استمرار المصانع دون تعطيل.
​
​
وعلاوة على ذلك، يثبت حجم الاستهلاك البالغ 6.2 مليارات قدم مكعبة يومياً في الشتاء اختلالاً هيكلياً مقارنة بالإنتاج البالغ 3.7 مليارات فقط، وهي فجوة ترتفع خلال الصيف إلى نحو 7.5 مليارات قدم مكعبة، مما يجعل الحديث الرسمي عن عدم المساس بالأنشطة الإنتاجية مجرد ادعاءات تناقضها الوقائع.
​
​
عجز الإنتاج وتصاعد فاتورة الاستيراد

 

وفي خضم التدهور الحاصل، تواجه المالية العامة ضغوطاً خانقة جراء رصد 10.1 مليار دولار لاستيراد شحنات الغاز المسال للعام المالي 2026/2027، استُنزف منها بالفعل 5.8 مليارات دولار بحلول أوائل أكتوبر، مع توقعات بقفزة في الشحنات المستوردة لتصل إلى 184 شحنة بدلاً من 152 شحنة مقررة سابقاً.
​
​
وبالموازاة مع ذلك، ضاعف انهيار قيمة الجنيه أمام الدولار إلى حدود 56 جنيهاً من أعباء فاتورة الاستيراد الباهظة، في وقت قفزت فيه أسعار الغاز المسال في آسيا بنسبة 36% لتتجاوز 34 دولاراً، بينما يقترب المؤشر الأوروبي من 35 دولاراً، مما يرفع كلفة الشحنة الواحدة بنحو 120 مليون دولار.
​
​
وفضلاً عن هذه الأعباء، يعاني قطاع الطاقة من ثبات واردات الغاز من الكيان الإسرائيلي عند 1.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بالتزامن مع تراجع الإنتاج بالحقول المحلية بمعدل 120 مليون قدم مكعبة يومياً، مما يفضح هشاشة التبعية الطاقية وفشل الوعود الرسمية بتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة.
​
​
وعلى الصعيد التحليلي، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، أن تسارع استنزاف السيولة الدولارية في استيراد الوقود يهدد الاستقرار المالي ويعمق أزمة الديون قصيرة الأجل، لافتاً إلى أن لجوء الوزارة لمفاوضة شركات كبرى مثل شل وتوتال لعقود طويلة الأجل لا يعالج الأزمة الأساسية المتمثلة في نضوب الآبار المحلية.
​
​
وفي ظل هذه المعضلات، تسعى الحكومة لإبرام اتفاقيات توريد مع بي بي وهارتري بارتنرز للحد من تقلبات السوق الفورية، غير أن هذه التحركات تظل عاجزة أمام عبء الديون المتراكمة، في حين يصطدم هدف رفع الإنتاج إلى 6.6 مليارات قدم مكعبة بحلول 2030 بالواقع المتردي للاستكشافات الجديدة.
​
​
وهكذا، تمضي السياسات المتبعة في تكريس أولوية إرضاء الشركات الأجنبية وجباية العملة الصعبة العاجلة على حساب استقرار الصناعة الوطنية، ليدفع الاقتصاد المصري ثمناً باهظاً لسوء إدارة ملف الطاقة وتراكم الالتزامات الخارجية، دون أفق حقيقي لوقف التدهور المستمر في معدلات الإنتاج وتراجع قيمة العملة في الأسواق.