نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"
من غير الممكن أن نشيح بأنظارنا عمّا يحدث في مصر، أيًا تكن جنسياتنا وانتماءاتنا. فمهما يكن، إنها مصر. بمكانتها وتاريخها ودورها الثقافي والفكري، مصر التي صدّرت، على امتداد عقود طويلة، أسئلة ونقاشاتٍ حرّكت العالم العربي بأسره، وبقيت حاضرة في وجدان كل من يقرأ ويكتب ويسأل. أتحدّث هنا عما تتعرّض له الصحافة المستقلة هناك، فمنصّة "متصدقش" المصمّمة للتحقّق من المعلومات، والتي تأسّست عام 2018 ويتابعها أكثر من مليون شخص على "فيسبوك"، أوقِف صحافيوها الستة، يومي 28 و29 سبتمبر الفائت، وأُخذ عدد منهم من منازلهم، وآخرون من الشارع. وقد قيل إنهم بقوا خمسة أيام مختفين لا يُعرف مصيرهم، قبل أن يظهروا أمام نيابة أمن الدولة ليواجهوا تهم الانتماء إلى جماعة إرهابية، والتمويل الخارجي، ونشر أخبار كاذبة، مع قرار سجنهم 15 يومًا احتياطيًّا. هذا وقد اشتكى بعضُهم إلى النيابة تعرّضَهم لسوء المعاملة، وهو ما نفته النيابة ووزارة الداخلية التي اعتبرتهم عناصر إخوانية، بينما ردّت المنصّة بأنها عملت خلال ثمانية أعوام على تدقيق ما تنشره جهاتٌ محسوبة على الجماعة، مع تفنيد معلومات مضلّلة تتداولها وسائل إعلام تبثّ من خارج مصر.
وقبل أيام، سمعنا عن محنة منصّة "مدى مصر" الإلكترونية التي أمرت محكمة مصرية بإغلاقها، وتغريم رئيسة تحريرها، لينا عطا الله، ثلاثة ملايين جنيه (نحو 60 ألف دولار)، مع احتجازها إلى حين سداد المبلغ. والتهمة الموجّهة إليها عدم حيازة المنصّة ترخيصًا، وهو ما عُرف بعد أيام من إحالتها إلى المحاكمة. موقع "مدى مصر" كان قد حُجب داخل مصر عام 2017، ودهمت مقرَّه قوات الأمن عام 2019، وهذه سادس قضية تُرفع ضد رئيسة تحريره خلال ست سنوات. المنصّة ردّت بأنها تسعى، منذ سنوات، إلى نيْل الرخصة، وقد ربطت منظّمات حقوقية الملاحقة بمشاركة الموقع مؤسساتٍ أخرى في غرفة أخبار مؤقتة، من أجل تغطية توقيف صحافيي "متصدقش". وقد وصفت منظمة العفو الدولية الحكم بأنه "ضربة ساحقة" لحرية الصحافة، في حين أعلنت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" احتجاز 26 صحافيًا في مصر، حتى نهاية الشهر الماضي (أكتوبر).
والحال أن ما يثير القلق في هذه التوقيفات ما تتعرّض له فكرة الصحافة نفسها، فأن يراقب أحدهم السلطة ويسائل الخطاب الرسمي، وأن تُروى الأحداث بأكثر من رواية، يزعج السلطة إلى حدّ اعتمادها سياسة كمّ الأفواه بحزم، تحذيرًا للآخرين ممن تسوّل لهم أنفسهم، سلوك الدرب نفسه. صحيحٌ أن قول الحقيقة في عالمنا العربي قلّما كان ممارسة مهنية آمنة، إلا أن انكشاف الخبر وانتشاره بسرعة هائلة في أيامنا هذه، لم يعد يقلق، في المقابل، الرقابة التي تمارس السجن وتلفيق التهم، من دون البحث عن ذرائع مقنعة، فالهدف هو الترهيب والتخويف كي يمارس الآخرون الرقابة على ذواتهم، صمتًا وغضّ نظر، طالما أن ممارسة الصحافة النزيهة قد تكلّف صاحبها حياته أو عمله أو أمانه.
لكن، لا بد من الإشارة إلى أن الأمر يتعدّى الصحافيين ومعاناتهم ليطاول حقّ المجتمع في أن يعرف، وحقّ المواطن في أن يسأل، وحقّ الأجيال الجديدة في أن تدرك الحقيقة وتعترض، ذلك أن الكلمة الحق، مهما كانت، لا ينبغي أن تستوجب عقابًا لمن يقولها أو يكتبها. أجل، كيف سيقدر المجتمع، الذي تُحجب عنه المعلومات وتزوَّر، على فهم ما يجري حوله، أو على المشاركة في صنع مستقبله، ذلك أن الصحافة ليست عملية نقل للأخبار بقدر ما هي ذاكرة يومية، وشهادة على التحولات، ومساحة للنقاش والحوار والاعتراض.
نعم، إنها مصر. وما يصيب صحافتها المستقلة يمسّ قدرتنا جميعًا على الانتقاد والتفكير والاختلاف. فعندما تتحوّل الكلمة عبئًا على صاحبها، كي لا نقول خطرًا على حياته وأمانه، يصبح الصمت والتغاضي عبئًا يُثقل ضمائرنا جميعًا.

