إن من أعظم المنن الإلهية التي يفيض بها الخالق سبحانه على عباده المصطفين، أن يرزقهم الاستنارة بالحق، ويفتح أمامهم أبواب العلم الراسخ، ويجري على ألسنتهم حجة بالغة توقظ الضمائر الغافلة وتبصر العقول الحائرة؛ ليكون العالم الرباني مشعل هداية لخلق الله، ونموذجاً وقدوة في الثبات لكل الساعين إلى دروب الإصلاح والتجديد.
فحين يتعانق العلم المشرق مع الإيمان العميق، وتؤازرهما الحكمة الواعية والشجاعة الأدبية في الصدع بكلمة الحق، يفيض أثر ذلك في واقع الناس استقامةً وإصلاحاً، وتتشكل به نواة قيادة ربانية تدرك ثقل المسؤولية أمام الله، وتحمل هموم الناس، وتأخذ بأيديهم بكل رحمة وإخلاص إلى صراط الرشاد.
وتتجلى هذه الرؤية القيادية في أبهى صورها عند استقراء سيرة خليل الله وأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي خاض معركة الوعي ضد بيئات الشرك بقلب موصول بربه، وعقل مستنير بنور الوحي، وحجة عقلية دامغة تكشف فساد الباطل وترد النفوس إلى نقاء الفطرة، متخذاً من الحوار التعليمي الرصين والصبر على البلاء سبيلاً لهداية قومه رغم غلوهم في عنادهم؛ وقد خلد القرآن الكريم هذا الفضل الإلهي الجامع في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83].
وتبرز هذه الآية المباركة كمنهاج دعوي متكامل يدعو العلماء والمصلحين في واقعنا المعاصر إلى تأمل مقومات القيادة الراشدة التي تبني الوعي وتصلح المجتمعات؛ إذ كلما اتسعت معارف المرء عظمت أمانته في البيان واشتدت حاجته للإخلاص والحكمة.
دلالة الإشارة وشرف النسبة في تأسيس البراهين
تتفتح آفاق الآية الكريمة بإعجاز بياني فريد في قوله سبحانه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا}، حيث جاءت الإشارة للبعيد لتدل بوضوح على شمولية الحجة وعظم منزلتها ورفعة شأنها؛ إذ تشمل جميع احتجاجات إبراهيم عليه السلام ومناظراته المتنوعة التي خاضها لإبطال الشرك وإرساء معالم التوحيد.
فقد حاجّ قومه في عبادة الكواكب والقمر والشمس مبيناً عجزها وأفولها، وحاجّهم في التماثيل والأصنام الميتة التي لا تملك نفعاً ولا ضراً، ثم انتصر بالحجة الساطعة على كبيرهم الملك الطاغية وبُهت الذي كفر، كما أقام الحجة بالبرهان والبر على والده، وهو ما حققه الإمام محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (2/202).
ولم تكن الإشارة للبعيد في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} إلا تعبيراً عن عظم الفكر وقوة الاستدلال التي بلغت الغاية في السمو والمنعة، كما يوضح الإمام محمد أبو زهرة في "زهرة التفاسير" (5/2571).
وقد أضاف الله سبحانه وتعالى الحجة إلى ذاته العلية إعلاءً لمكانتها وتأكيداً لصدقها وتشريفاً وتكريماً لمن أجراها على لسانه وقلبه؛ لتكون درساً للدعاة بأن قوة الطرح وعمق البرهان منحة سماوية تتطلب تعظيماً للأمانة وحفظاً لمقام الرسالة التي يبلغونها عن رب العالمين.
صناعة الحوار وبناء الشخصية الحجاجية المفحمة
ويأتي التعبير القرآني {آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} ليكشف عن منبع هذا التفوق الاستدلالي؛ إذ آتاه الله هذه الحجة بإلهام الفطرة السليمة النقية، والمنطق الحنيف الذي لا يميل إلا إلى الحق ولا يتجه إلا إليه.
فكانت براهينه سداً منيعاً وقوة فكرية فاز بها على قومه، وقامت بها الحجة الدامغة على أوهامهم وظنونهم وتخرصاتهم التي زعموها واعتقدوها، مما ليس فيه حق ولا شبهة حق، بل هو البهتان العظيم والظلم الصارخ للحقائق الكونية.
وكما يقرر الدكتور علي الصلابي في كتابه "إبراهيم خليل الله" (ص175-176)، فإن الله عز وجل اختار نبيه إبراهيم عليه السلام لتقوم به الحجة لأن الناس لم يُخلقوا في الفكر والعلم على سوية واحدة؛ فمنهم الهادي المرشد المصطفى ليكون رسول الحق إلى الخلق، ومنهم الضال الذي يطلب سبل النجاة، ومنهم من أركس في الشر وخُتم على سمعه وبصره وبصيرته فلا يدرك حقاً.
ومن هنا أمده الله بقوة شخصية تجلت في كونه محاوراً بارعاً ومناظراً مفحماً، ورزقه براهين محكمة حقق بها انتصارات متوالية على سادة قومه وكبرائهم، فاستحق هذا الثناء الإلهي العظيم.
وفي السياق التحليلي ذاته، يؤكد الباحث حمد عبد الله السيف في مؤلفه "صناعة الحوار" (ص286-289) أن اسم الإشارة "تلك" يشمل جميع مواقف الاحتجاج التي خاضها الخليل حتى غلب خصومه بالحجة.
وتميزت جميع حواراته بالقوة المقنعة والنفوذ المؤثر في القلوب والنفوس، منتهية بإلجائهم إلى التسليم والإفحام؛ غير أن كبرياءهم وعنادهم صدهم عن اتباع الحق، فاستبدلوا لغة الحوار والمنطق بأساليب البطش والكبت والتنكيل. ويلمس كل متأمل في مسيرة إبراهيم الرسالية خبرة جدلية راسخة وقوة حجاجية فذة شكلت طابعاً متميزاً وأسلوباً فريداً في قيادة الخطاب الإصلاحي.
تكامل الدرجات بين الرتب الوهبية والمسالك الكسبية
وينتقل النص القرآني ليضع قاعدة الاصطفاء والرفعة في قوله سبحانه: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}، والدرجات هنا تدل على المراتب المعنوية العالية في الخير والجاه والعلم والسيادة والرزق.
وتتعدد معاني الآية بين رفع من يشاء الله من عباده درجات بعد أن لم يكن حائزاً على شيء منها، وبين رفع درجات أصحاب المراتب ليكون العبد في كل فضيلة ومنقبة أرفع قدراً من غيره. فالعلم النظري درجة كمال، والحكمة العلمية والعملية درجتا كمال، وفصل الخطاب وقوة العارضة في الحجاج درجات كمال، والسيادة والحكم بالحق درجة كمال، في حين تمثل النبوة والرسالة ذروة هذه المقامات لاشتمالها على كل مراتب الفضل وزيادتها عنها.
وقد فصّل العلامة محمد رشيد رضا في "تفسير المنار" (7/582-584) تفاوت هذه المراتب بفضل الله؛ فهو سبحانه يهبها ابتداءً بإعداده وتوفيقه للدرجات "الكسبية" لمن يشاء من عباده فيرتقي فيها ويصرف عنه موانع الرقي، ويختص بالدرجات "الوهبية" أنبياءه ورسله بما يفيض عليهم من المناقب والآيات المنزلة والتكوينية وكثرة اهتداء الخلق بهم، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253].
وجاءت جملة "نرفع" استئنافية لتؤكد أن ما آتى الله إبراهيم من الحجة كان اختصاصاً بأعلى درجات النبوة الوهبية، وما ترتب عليها وتفرع عنها من درجات الدعوة ومجاهداتها الكسبية.
ويستجلي الإمام محمد أبو زهرة في "زهرة التفاسير" (5/2572) نكتة بلاغية دقيقة في التعبير بالفعل المضارع {نَرْفَعُ}، مبيناً أنه يفيد تجدد الرفعة واستمرارها؛ فالوجود الإنساني يستمر الخير فيه متدفقاً بوجود الهداة المرشدين والمستمعين الأخيار الذين يقولون سمعنا وأطعنا، في مواجهة الذين يستمعون طيب القول فيقولون سمعنا وعصينا.
وفي هذا التدافع بين الخير والشر تبرز العاقبة الحميدة للمتقين أهل البصيرة والحكمة، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269].
التذييل الإلهي وتثبيت القيادة المحمدية الخاتمة
تكتمل المعالم الدعوية لهذه الآية العظيمة بتذييل إلهي حاسم في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، وهو تذييل يقرر ما تقدم ويكشف عن منشئه المتعلق بصفات الذات الإلهية؛ حيث جاء العدول إلى اسم "الرب" مضافاً إلى ضمير خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام موضع نون العظمة بأسلوب الالتفات البلاغي المعجز، تذكيراً للنبي صلى الله عليه وسلم بما أسبغه الله عليه من جميل الرعاية والتربية والتعليم، وتفضيلاً له برفعه درجات على سائر الرسل، كما حرره صاحب "المنار" (7/582-584).
فالرب الذي رعى نبيه وهداه وأعلى شأنه وجعله خاتم رسله إلى البشرية كافة، هو سبحانه حكيم في أفعاله وتشريعه وتدبيره، عليم بمصالح خلقه وطبائع نفوسهم وسياسة شؤونهم، وسيريه شاهد هذا الفضل والنصر عياناً في دعوته وسيرته مع قومه، تماماً كما أراه إياه بياناً وبرهاناً في مناظرات إبراهيم مع قومه.
فالله عز وجل حكيم يضع كل شيء بميزانه الحق، عليم بكل دقيقة، وله في أقداره واصطفائه الحِكم البالغات والعبر التامات، تبارك الله رب العالمين، ليبقى هذا المنهاج دليلاً لكل مصلح يحمل أمانة العلم ويسعى لرفعة الأمة بالحق والبرهان.

