تعصف بالبورصة المصرية موجة انهيارات حادة بددت مئات المليارات خلال النصف الثاني من أكتوبر 2026، بالتزامن مع هبوط الجنيه أمام الدولار ليقترب من مستوى 56 جنيهًا، في ظل سياسات انكماشية متخبطة تفاقم التضخم وتستنزف مدخرات صغار المستثمرين والمواطنين.
​
​
وفيما يترنح الاقتصاد تحت وطأة هذا النزيف اليومي المتسارع، تتصاعد التساؤلات المشروعة حول أولويات المنظومة المالية، بعد اتساع ظاهرة توزيع بدلات ومكافآت بملايين الجنيهات على دوائر ضيقة من المسؤولين داخل الشركات والبنوك، بمعزل عن قسوة المشهد المالي العام.
​
​
انهيار الأسهم ومكافآت مجالس الإدارات الباذخة
​
​
وحسب بيانات التداول الرسمية، هوى المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 3.41% إلى 51,052 نقطة بجلسة 22 أكتوبر، لتبلغ خسائر الجلسة 116 مليار جنيه والقيمة 3.949 تريليون، بينما خسر السوق أسبوعيًا 102 مليار بتراجع EGX70 بنسبة 7.02% وEGX100 بنسبة 6.05%.
​
​
ثم تسارعت الانهيارات بجلسة 25 أكتوبر بهبوط EGX30 بنسبة 3.56% وEGX70 بنسبة 11.07% وخسارة 171 مليارًا وتوقف التداول 30 دقيقة لتجاوز EGX100 نسبة 10%، بينما فقد السوق 47 مليارًا بجلسة 26 أكتوبر ليغلق بتراجع 1.66% عند 48,416.94 وقيمة 3.731 تريليون.
​
​
وبموازاة هذه الخسائر، يوضح أستاذ الاقتصاد والتمويل الدولي الدكتور أحمد ذكر الله أن النزيف يجسد هروب السيولة جراء السياسات الجبائية المفرطة، مؤكدًا أن غياب الحماية لأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة يعكس تخلي المؤسسات عن إدارة الأزمة الاقتصادية بكفاءة.
​
​
ومن هذا المنطلق، وثق الخبير ممدوح الولي تقاضي مجالس 30 شركة مقيدة 5 أنواع من المكافآت، حيث وزعت مصر الجديدة للإسكان 13.5 مليون جنيه من أرباح 2025 بمتوسط مليون للعضو، وخصصت إم إم جروب 7.77 مليون، والشرقية للدخان 5.6 مليون.
​
​
وعلاوة على ذلك، تقاضى العضو ما يعادل 5.5 مليون بنايل سات، و4.4 مليون بعبور لاند، و4 ملايين بالقلعة، و3.85 بفيركيم مصر، و3.6 بموبكو، و2.5 بسي آي كابيتال، و2.45 بكليوباترا، و2.4 بإعمار مصر، و2.2 بسوديك، ومليونين بشركة سيدبك.
​
​
وفي سياق البدلات، حددت بالم هيلز 10 آلاف دولار للجلسة والقلعة 3 آلاف، وبلغ بدل الحضور 75 ألف جنيه بكليوباترا، و50 ألفًا بسي آي كابيتال وجلاكسو، و40 ألفًا ببراميدا، و35 ألفًا بالإسكندرية للحاويات، و20 ألفًا بقطر الوطني والمصرف المتحد.
​
​
وبجانب ذلك، سجل بدل الانتقال 60 ألف جنيه بالتعمير والإسكان، و40 ألفًا بسي آي كابيتال، و30 ألفًا بأبو قير، و23 ألفًا بفوري، و20 ألفًا بطلعت مصطفى، و360 ألفًا بالبركة، وصُرفت مكافآت للدلتا للسكر رغم خسارتها 526 مليون جنيه.
​
​
احتكار لجان الرقابة وغياب الشفافية المالية
​
​
وعلى صعيد المؤسسات، وثق تقرير 5 أكتوبر 2026 وجود 31 لجنة رقابة شرعية شملت 12 لجنة بالبنوك، و8 بالتأمين التكافلي، و9 بالتمويل، ولجنة بالبورصة، وأخرى مركزية بالرقابة المالية، بقوام بين 3 و5 أعضاء و7 للمركزية بمدد عضوية تبلغ 3 سنوات.
​
​
ويتصدر علي جمعة المشهد برئاسة ونيابة 11 لجنة تشمل المصرف المتحد والكويت الوطني ونكست والتأمين، مع نيابة بنك فيصل والمركزية، ويليه مجدي عاشور بـ 8 لجان تضم رئاسة بنك مصر كنانة وعضوية لجان بالمصرف المتحد وبنك الكويت الوطني مصر.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، يستحوذ عباس شومان ونصر فريد واصل ومحمد البلتاجي على 6 لجان لكل منهم بمصارف كالخليجي وسايب والسويس وفيصل والمركزية، وتتكرر أسماء عمرو الورداني، وسعد الدين الهلالي، ومحمد نجيب عوضين، وأسامة العبد، وشوقي علام، وخالد الجندي، وأسامة الأزهري.
​
​
ومن زاوية الحوكمة، يوضح أستاذ الاقتصاد الإسلامي والمعاملات المالية الدكتور أشرف دوابه أن احتكار الرقابة يفرغ التدقيق من استقلاليته، مؤكدًا أن الجمع بين لجان متنافسة يخلق تضاربًا صريحًا في المصالح على حساب الانضباط المالي والمصداقية المهنية العامة.
​
​
وللمفارقة مع الشفافية، تحجب البنوك مكافآت اللجان، بينما أعلنت البركة بالبحرين تقاضي 5 أعضاء 268 ألف دولار بموازاة 13 مليون جنيه، ونال 12 عضوًا بفيصل 60 مليونًا، و9 بالبركة 76.5 مليون، وحددت الرقابة 5 آلاف للجلسة عام 2019.
​
​
تعدد المناصب يكرس تضارب المصالح الحكومية
​
​
وارتباطًا بالسياسات الإدارية، وثق مقال ممدوح الولي المنشور في 13 سبتمبر 2026 تغلغل تعدد المناصب لدى قيادات حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، وامتدادها للمستويات الوسطى بالهيئات والشركات الخاصة والعامة، ما يكرس الاستيلاء على المزايا والبدلات والانتقالات المالية المتعددة.
​
​
ويأتي في المقدمة نائب محافظ المركزي رامي أبو النجا جامعًا بين رئاسة الإيداع والقيد المركزي، وعضوية بنوك مصر، والبريد، والتموين، والتنمية الحضرية، وسي آي كابيتال، بجانب طارق الخولي العضو بشركة الكهرباء القابضة، والرقابة المالية، وصندوق الإسكان الاجتماعي، ومكافحة غسل الأموال.

 

وبالانتقال إلى البنوك العامة، يشغل محمد الأتربي وهشام عكاشة وحسام الدين عبد الوهاب مجالس إدارة بنوك وشركات تشمل الأهلي لندن، ومصر أوروبا، ولبنان، وجيبوتي، والابتكارات، ومصر كابيتال، وكليوباترا، والمقاولين العرب، والاستثمار، ورئاسة اتحاد البنوك ومجالس استثمارية متعددة.
​
​
وتتسع دائرة الاستحواذ مع مديرة الصندوق السيادي نهى خليل، ومساعد رئيس الوزراء جيهان صالح بالبورصة والصادرات وإيديتا وعربية أون والهيكلة، بجانب رئيس حماية المنافسة محمود ممتاز ببنك مصر، ومرفقي الغاز والكهرباء، والجامعة البريطانية، واللجنة الاستشارية لمكافحة الإغراق.
​
​
كذلك تضم القائمة أحمد غنيم، ولبنى هلال، وخالد عباس، وخالد سري صيام، وإسلام عزام، والمسؤولين ياسر صبحي ووليد عباس، ومي عبد الحميد، لتتوزع عضوياتهم بمجالس الاتصالات والإسكان والآثار والمقاصة، وسط تعتيم رسمي يتعمد إخفاء أسماء ممثلي الحكومة بالمجالس.
​
​
وفي هذا الإطار، يشدد أستاذ الاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية الدكتور مصطفى شاهين على أن احتكار المناصب الرقابية والتنفيذية يعطل المحاسبة، مؤكدًا أن هذا التداخل يحول مؤسسات الدولة إلى شبكات انتفاع نخبوي تعمق الأزمة المعيشية وتستنزف مقدرات المجتمع المصري.