ضربت قرارات الجمعية العمومية لنقابة أطباء مصر مصالح المستثمرين في قطاع التعليم الطبي الخاص، عبر فرض قيود صارمة تشترط وجود مستشفيات جامعية فعلية لقيد الخريجين الجدد بداية من عام 2027.
وتفرض هذه الضوابط واقعاً جديداً يربك حسابات الكليات الاستثمارية والطلاب، إذ تلزم الخريجين بتقديم أصل شهادة الثانوية العامة ومطابقة المجموع بالحد الأدنى الحكومي لضمان الكفاءة المهنية وحماية المرضى.
بيزنس الكليات الخاصة بلا مستشفيات
وفي هذا السياق، تحظر النقابة قيد خريجي الكليات التي تفتقر إلى مستشفى جامعي مخصص للتدريب، مما يهدد استثمارات اعتمدت طويلاً على تحصيل المصروفات الباهظة دون توفير بنية تحتية إكلينيكية حقيقية.
وعلاوة على ذلك، تلجأ العديد من هذه الكليات الخاصة إلى الاكتفاء بالتدريب النظري أو إبرام بروتوكولات تعاون مؤقتة، وهي بدائل هشة تعجز عن توفير الحد الأدنى من الممارسة الطبية السليمة.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، أن تخريج طلاب لم يتلقوا تدريباً عملياً داخل مستشفيات معتمدة يمثل خطراً داهماً على حياة المواطنين ويدمر سمعة المهنة طبياً.
وبناءً على ذلك، تصطدم هذه الشروط النقابية بتوجهات التوسع العشوائي في منح تراخيص الجامعات الخاصة، حيث تمنح السلطة التنفيذية موافقات الإنشاء قبل استكمال المستشفيات التعليمية اللازمة لتأهيل الأطباء الجدد.
ونتيجة لهذا التراخي، يواجه آلاف الطلاب الجدد مصيراً مجهولاً بعد سداد مبالغ طائلة، إذ يجدون أنفسهم مهددين بعدم الحصول على ترخيص مزاولة المهنة فور تخرجهم اعتباراً من عام 2027.
وفضلاً عن ذلك، تطالب النقابة بربط أعداد المقبولين سنوياً بالإمكانيات الفعلية للتدريب وفرص الدراسات العليا، لوقف التكدس غير المسبوق الذي تسببت فيه سياسات فتح القبول دون تخطيط.
انهيار معايير القبول وتكافؤ الفرص
ومن ناحية أخرى، تتصدى القرارات الجديدة لظاهرة تدني مجاميع القبول في الجامعات الخاصة والأجنبية، والتي هبطت في بعض الكليات إلى نسب تتراوح بين 55% و60%، بل ووصلت أحياناً إلى 50%.
ولهذا السبب، تشترط النقابة تقديم أصل شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها عند القيد، للتحقق من التخصص الدراسي ومقارنة المجموع الاعتباري للطالب بالحد الأدنى المعتمد في سنة التحاقه.
وفي هذا الصدد، تضع النقابة آليات صارمة لمعادلة الشهادات الأجنبية مثل IG وStem، لإغلاق الأبواب الخلفية التي سمحت لغير المؤهلين بدخول كليات الطب عبر مسارات تعليمية موازية تفتقر للرقابة.
وبدوره، يوضح الدكتور محمد فريد حمدي، أمين عام نقابة الأطباء السابق، أن السماح بقبول طلاب بمجاميع 50% و55% يرسخ الطبقية ويهدم مبدأ تكافؤ الفرص لصالح القدرة المالية على حساب الكفاءة.
وبالإضافة إلى ما سبق، تعكس هذه الفوضى في معايير القبول غياب الرؤية الرقابية لوزارة التعليم العالي، التي تركت الباب مفتوحاً أمام استثمارات تهدف إلى الربح السريع دون مراعاة خطورة المهنة.
وتبعاً لذلك، يفاقم غياب التنسيق الموحد والعادل بين الجامعات الحكومية والخاصة من تدهور مخرجات التعليم الطبي، مما يهدد بتفريغ المنظومة الصحية من الكفاءات الحقيقية خلال السنوات القليلة المقبلة.
تعديلات تشريعية لمواجهة فوضى الجامعات
وعلى صعيد متصل، تتحرك النقابة تشريعياً بتقديم مقترح لتعديل القانون رقم 162 لسنة 2018 المنظم لفروع الجامعات الدولية، لإلزامها بالحد الأدنى للمجموع والمواد المؤهلة المعتمدة رسمياً داخل البلاد.
وكذلك، يهدف هذا التحرك القانوني إلى إنهاء الاستثناءات التي منحتها حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لفروع الجامعات الأجنبية، والتي سمحت بتجاوز قواعد التنسيق الوطنية واستقطاب طلاب بمجاميع ضعيفة.
وفي السياق ذاته، تطالب النقابة بخفض نسبة الطلاب الوافدين في كليات الطب الحكومية إلى 5% كحد أقصى، وتوجيه الأعداد الزائدة نحو الجامعات الخاصة والأهلية لتخفيف العبء عن المرافق العامة.
ومن جهته، يشدد الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق، على أن مزاحمة الوافدين للطلاب المصريين في الجامعات الحكومية تقلص فرص التدريب الإكلينيكي وتخضع التعليم لسياسات الجباية الدولارية.
وإلى جانب ذلك، تتزامن هذه التحديات مع أزمة توحيد مؤهلات الدراسات العليا لطب الأسنان، والتي تهدد مستقبل الأطباء الشباب وتعرقل فرص سفرهم للعمل بالخارج نتيجة تخبط القرارات الوزارية.
وختاماً، تضع هذه المواجهة المفتوحة نقابة الأطباء في صدام مباشر مع لوبي أصحاب الجامعات الخاصة، وسط ترقب لموقف الجهات الرسمية من تنفيذ شروط عام 2027 التي تحمي سلامة المريض.

