تتصاعد الصدامات القانونية والمجتمعية حول تطبيق القانون 164 لسنة 2025 وسط عجز حكومي واضح عن ترجمة النصوص التشريعية إلى إجراءات عملية تحسم النزاع المزمن بين الملاك والمستأجرين في الشارع المصري.
وتدفع هذه الفجوة التنفيذية اتحاد ملاك عقارات الإيجار القديم نحو إعداد مسودة "وثيقة تنفيذ القانون" لمطالبة مجلس الوزراء برفع القيود البيروقراطية التي أفرغت التشريع الجديد من مضمونه الفعلي وعطلت استرداد الحقوق.
شلل بيروقراطي يعطل إثبات الشقق المغلقة
وتتصدر أزمة إثبات الوحدات السكنية المغلقة قائمة المعوقات التي تواجه الملاك، حيث تمتنع شركات الكهرباء والمياه والغاز عن تقديم إفادات رسمية توثق انقطاع الاستهلاك لفترات طويلة رغم النص القانوني الصريح.
وبناء على هذا التعنت الإداري، تضمنت الوثيقة المرفوعة لمجلس الوزراء مطالبات بإصدار أوامر ملزمة لشركات المرافق العامة لتسليم كشوفات الاستهلاك، لإنهاء حالة الجمود التي تمنع الملاك من استعادة وحداتهم غير المستغلة.
ومن ناحية أخرى، يبرز غياب الربط الإلكتروني بين وزارة العدل والأحياء والمحليات كحاجز إضافي يعرقل تتبع السكن البديل، مما يمنح المستأجرين المالكين لعقارات أخرى فرصة للتهرب من إخلاء الوحدات.
وعلاوة على ذلك، تفتقر أجهزة الدولة إلى قاعدة بيانات موحدة تكشف حالات ازدواج الحيازة السكنية، وهو ما دفع اتحاد الملاك للمطالبة بحصر شامل بالتنسيق مع الجهات الرسمية لإسقاط أهلية غير المستحقين.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور سيف الدين فرج، أستاذ التخطيط العمراني، أن إصدار التشريعات العقارية دون تهيئة البنية المعلوماتية والربط المؤسسي بين المرافق والمحليات يحول القوانين إلى نصوص معطلة تزيد الاحتقان المجتمعي.
ويضيف أستاذ التخطيط العمراني أن غياب التنسيق بين الوزارات المعنية يعكس تخبطا في إدارة الملف العقاري، حيث تُترك مهمة الإثبات الجنائي والإداري على عاتق المواطن في ظل أجهزة حكومية تعمل كجزر منعزلة.
استنزاف مالي يصادر الإيجارات المودعة بالمحاكم
وبالتوازي مع تعقيدات المرافق، يواجه الملاك إجراءات روتينية قاسية عند محاولة صرف القيم الإيجارية المودعة في خزائن المحاكم من جانب المستأجرين، مما يحول رحلة استرداد تلك المبالغ إلى عبء مالي إضافي.
ونتيجة لتلك القيود، تفرض الجهات الحكومية مطالبات ضريبية ورسوما إدارية باهظة على الملاك تتجاوز في كثير من الأحيان إجمالي القيمة الإيجارية المودعة، لتصبح هذه الأموال في حكم المعدومة عمليا.
وفضلا عن هذا الاستنزاف المالي، تستغرق إجراءات الصرف من خزائن المحاكم شهورا طويلة من المراجعات الورقية المعقدة، وهو ما يدفع شريحة واسعة من الملاك إلى التنازل الضمني عن مستحقاتهم تجنبا للخسائر.
ومن جانبه، يوضح الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي، أن فرض أعباء ضريبية ورسوم إجرائية تفوق أصل الحقوق المالية يمثل مصادرة غير مباشرة للملكية الخاصة وتناقضا صارخا مع أهداف تحقيق العدالة الاقتصادية.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن السياسات المالية الحالية تتعامل مع أزمة الإيجارات القديمة من منظور الجباية وتحصيل الرسوم، متجاهلة الأضرار الاقتصادية المركبة التي لحقت بأصحاب العقارات جراء تجميد عوائدهم لعقود طويلة.
صراع دستوري يكشف هشاشة البدائل الحكومية
وعلى صعيد متصل، تتصاعد وتيرة الطعون القضائية ومشاريع القوانين المضادة التي يقدمها اتحاد المستأجرين لوقف تنفيذ التعديلات الأخيرة، وسط مطالبات من هيئة مفوضي الدستورية بحصر شامل لأعداد المستأجرين بجميع المحافظات.
وفي المقابل، يتمسك مصطفى عبدالرحمن، رئيس اتحاد الملاك، بأن حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 9 نوفمبر 2024 أنهى الجدل القانوني بإقراره عدم ثبات القيمة الإيجارية، معتبرا تحركات المستأجرين محاولات لتعطيل التنفيذ.
ورغم تأكيدات اتحاد الملاك بأن القانون مر عبر القنوات التشريعية وأقره البرلمان ليصدر عن رئاسة الجمهورية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، لا تزال آليات التنفيذ الفعلي تصطدم بواقع ميداني مرتبك.
علاوة على ذلك، يروج ممثلو الملاك لدخول الشارع مرحلة "فك الارتباط" عبر مفاوضات ودية لتحرير عقود جديدة أو تسليم الوحدات، مراهنين على مشروع "السكن البديل" الذي طرحته الحكومة لحماية الفئات المستحقة وكبار السن.
غير أن المستشار وليد الفولي، الخبير القانوني والمتخصص في التشريعات العقارية، يرى أن التدخل التشريعي الجزئي دون توفير بدائل سكنية حقيقية وممولة يعمق الأزمة الدستورية ويضع الطرفين في مواجهة مفتوحة أمام المحاكم.
ويختتم الخبير القانوني بالتأكيد على أن الرهان على التفاوض الفردي أو وعود الإسكان الحكومي غير المحددة بجدول زمني ملزم يعكس تخلّي السلطة التنفيذية عن مسؤوليتها في صياغة انتقال تشريعي آمن وعادل.

