تتصاعد حالة الغليان داخل الأوساط العمالية والنقابية في مصر مع اقتراب انتهاء مهلة الستة أشهر التي أقرها مجلس النواب في مايو الماضي، وسط تحذيرات واسعة من تمرير تأجيل ثانٍ لانتخابات النقابات العمالية وتمديد الدورة الحالية قسرًا.
وتفرض هذه التحركات الحكومية واقعًا مأزومًا يدفع القواعد والقيادات العمالية للتمسك بحقها الأصيل في الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ورفض كافة المحاولات الرامية إلى تجميد التنظيمات النقابية ومنع تجديد دمائها في ظل أزمات اقتصادية طاحنة.
التفاف تشريعي لمصادرة إرادة القواعد العمالية
ومهد مجلس النواب لهذا الانسداد في مايو الماضي عبر تمرير مشروع قانون يمد الدورة النقابية الحالية لستة أشهر، مستندًا إلى توصية من المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي بحجة تمكين المنظمات النقابية من حضور المؤتمرات الدولية والإقليمية.
إلا أن انقضاء هذه المهلة المؤقتة ومشاركة الوفود فعليًا في مؤتمري العمل الدولي بجنيف والعربي يسقطان أي مبرر إجرائي، مما يجعل التلكؤ الحالي في فتح باب الترشح التفافًا صريحًا على إرادة القواعد العمالية.
وترتكز مطالب العمال الرافضة للتمديد الثاني على نصوص الدستور المصري، وتحديدًا المادة 76 التي تكفل إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي حر يمنع وصاية السلطة التنفيذية أو تدخلها لتعطيل الاستحقاقات الانتخابية.
علاوة على ذلك، يلزم قانون المنظمات النقابية رقم 213 لسنة 2017 الجهات المعنية بإجراء الانتخابات في مواعيدها المقررة، باعتبار أن الالتزام بالجدول الزمني يمثل الركيزة الوحيدة لضمان شرعية التمثيل النقابي داخل مواقع العمل.
وفي هذا السياق، يؤكد كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن الإصرار على تأجيل الاستحقاقات الانتخابية يفرغ التنظيمات النقابية من مضمونها الديمقراطي ويحولها إلى كيانات فاقدة للشرعية القانونية أمام قواعدها.
ويضيف المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية أن التذرع بتعديلات تشريعية مرتقبة لمد الدورة النقابية إلى خمس سنوات يمثل مصادرة لحق الجمعيات العمومية، التي تملك وحدها سلطة مناقشة القوانين عبر ممثليها المنتخبين.
وبالتوازي مع ذلك، تتداول أروقة العمل السياسي أنباء عن رغبة جهات رسمية في تأجيل الانتخابات لحين تفصيل تعديلات قانونية جديدة، وهو ما تجابهه القوى العمالية بالمطالبة بإجراء الانتخابات أولًا وفق القانون القائم دون إبطاء.
ومن ثم، فإن تمرير أي تعديلات جوهرية في غياب مجالس منتخبة حديثًا يكرس هيمنة السلطة التنفيذية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على مفاصل الحركة النقابية، ويقوض أسس الاستقلالية النقابية من جذورها.
كما يمثل التمديد المتكرر للمجالس المنتهية ولايتها اعتداءً مباشرًا على حق مليوني عامل وموظف شاركوا في انتخابات مايو ويونيو من عام 2022، والذين ينتظرون دورهم القانوني لمحاسبة ممثليهم وتغييرهم عبر الاقتراع الحر.
تجميد الدماء الشابة وتفاقم الأزمات المعيشية
وعلى الصعيد الميداني، يؤدي تعطيل الانتخابات إلى إغلاق الأبواب أمام صعود قيادات شابة تمتلك القدرة على الاشتباك مع التحديات الاقتصادية الراهنة، ويكرس حالة من الركود والشلل داخل اللجان النقابية في الشركات والمصانع.
وبسبب هذا التجميد المتعمد، تتسع الفجوة يومًا بعد آخر بين القيادات النقابية الحالية التي انتهت ولايتها القانونية وبين القواعد العمالية، التي تعاني من تآكل الأجور وارتفاع معدلات التضخم دون وجود ظهير نقابي قوي يدافع عنها.
وتتجلى خطورة غياب التمثيل النقابي الفاعل في القرارات التعسفية المتلاحقة، ومنها النقل الإجباري لعمال شركة غزل طنطا إلى مصنع زفتى وإخلاء أربعة وأربعين فدانًا لطرحها للاستثمار دون مراعاة للاستقرار الوظيفي والأسري للعمال.
وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور صابر بركات، الباحث والخبير في شؤون الحركة العمالية والنقابية، أن إبقاء المجالس النقابية القديمة في مواقعها بقرارات فوقية يهدف إلى تمرير سياسات التصفية والخصخصة دون مقاومة نقابية حقيقية.
ويشير الخبير في شؤون الحركة العمالية والنقابية إلى أن القواعد العمالية في مختلف القطاعات الإنتاجية تدفع ثمن غياب المفاوض الجماعي المستقل، الذي لا يمكن إفرازه إلا عبر انتخابات حرة ونزيهة في مواعيدها الدستورية.
وفضلاً عن ذلك، شملت الدورة النقابية المنقضية إجراء الانتخابات في ألف وأربع وثلاثين لجنة نقابية فقط من أصل ألفي لجنة على مستوى الجمهورية، مما يعني حرمان قرابة نصف المواقع العمالية من التمثيل النقابي الكامل.
وبناءً عليه، فإن تعطيل الماراثون الانتخابي الجديد يحرم أكثر من أحد عشر ألفًا وستمائة مرشح نقابي من حقهم في التنافس المشروع لتشكيل القاعدة الأساسية للهرم العمالي، الذي ينتهي بسبع وعشرين نقابة عامة والاتحاد العام.
ونتيجة لتراكم هذه الممارسات الإقصائية، تسود حالة من السخط والاحتقان المكتوم داخل عنابر الإنتاج، وسط ترقب لقرار رسمي من وزارة العمل يحدد الجدول الزمني لفتح باب الترشح للمستويات النقابية الثلاثة دون مماطلة جديدة.
عزلة دولية تهدد سمعة التنظيم النقابي
وعلى المستوى الخارجي، يلقي التراجع المستمر عن الممارسات الديمقراطية واستقلالية العمل النقابي بظلال قاتمة على سمعة الحركة العمالية المصرية في المحافل الدولية، ويعيد إلى الواجهة ملف الانتهاكات الموجهة ضد الحريات النقابية.
حيث تراقب منظمة العمل الدولية والاتحادات النقابية العالمية عن كثب مدى التزام القاهرة بالاتفاقيات الدولية المصدق عليها، وفي مقدمتها الاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم دون تدخل من السلطات العامة.
وكانت الذريعة الرسمية لتمرير التمديد الأول في مايو الماضي قد استندت إلى ضرورة وجود تمثيل نقابي مستقر خلال مؤتمر العمل الدولي في جنيف، غير أن تكرار التأجيل يثبت زيف هذه الحجة أمام المنظمات الدولية.
ومن جهتها، تؤكد رحمة رفعت، الباحثة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن التدخل التشريعي والإداري المتكرر لمد عمر المجالس النقابية يضع مصر في موقف حرج أمام لجان المعايير الدولية، ويكرس تبعية النقابات للسلطة التنفيذية.
وتلفت الباحثة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن معايير العمل الدولية ترفض بشكل قاطع إطالة أمد المجالس المنتخبة بقرارات حكومية أو برلمانية، وتعتبر ذلك مصادرة لحق العمال في اختيار ممثليهم بحرية تامة.
وبالإضافة إلى تلك التداعيات، فإن إضعاف البنية الديمقراطية للاتحاد العام لنقابات عمال مصر والنقابات العامة يفقد الوفود العمالية مصداقيتها التفاوضية في المؤتمرات الإقليمية والدولية، ويحولها إلى مجرد واجهات رسمية تدافع عن السياسات الحكومية.
وفي المقابل، تواصل القوى العمالية المستقلة والقيادات النقابية في المصانع والشركات حشد طاقاتها لإجهاض أي محاولة لتمرير التمديد الثاني، متمسكة بحقها الأصيل في إدارة شؤونها النقابية بمعزل عن وصاية وزارة العمل وأجهزة الأمن.
ولذلك، يظل إصدار الجدول الزمني الفوري لإجراء الانتخابات النقابية بمستوياتها الثلاثة وفق القانون الحالي هو المخرج الوحيد لتفادي انفجار الغضب العمالي، الذي لم يعد يحتمل مزيدًا من التهميش ومصادرة الحقوق الدستورية.
وفي نهاية المطاف، ستثبت الأيام القليلة القادمة ما إذا كانت السلطة ستستجيب لمطالب القواعد العمالية بفتح صناديق الاقتراع، أم ستمضي في نهج تجميد الحياة النقابية وتعميق الأزمة داخل القطاعات الإنتاجية في البلاد.

