يواجه آلاف الفلاحين في مصر معادلة قاسية تتكرر عقب انتهاء كل موسم حصاد، بين تحمل نفقات باهظة لجمع المخلفات الزراعية ونقلها، أو الاضطرار لحرقها والمخاطرة بالملاحقة الأمنية والغرامات التي تصل إلى مليون جنيه.
ورغم توسع حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في الرصد عبر الأقمار الصناعية وتحرير المحاضر، تستمر الحرائق بالمحافظات الزراعية نتيجة غياب منظومة فعالة تتيح لصغار المزارعين تصريف مخلفات تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات سنويًا.
ملاحقات أمنية وغرامات مليونية تحاصر الفلاحين
وفي صعيد مصر، وتحديدًا بمركز العدوة في محافظة المنيا، تجسدت الأزمة عقب انتهاء موسم دريس الذرة، حيث تراكمت أكوام البوص أمام أرض المزارع عرفة محمد رمضان دون وجود أي آلية حكومية لرفعها.
ونتيجة لهذا الإهمال، وجه رمضان عبر موقع «فيس بوك» تساؤلات مباشرة إلى مسئولي المحليات والزراعة والبيئة حول مصير المخلفات المتراكمة، مطالبًا بتوفير معدات للجمع والفرم والكبس قبل ملاحقة الفلاحين قضائيًا ومعاقبتهم على إشعال النيران.
وعلى الصعيد الميداني، تتحول بقايا المحاصيل لدى أصحاب الحيازات الصغيرة من مورد مالي محتمل إلى عبء ثقيل، بعدما باتت تكاليف الجمع والنقل تتجاوز العائد المتوقع من بيعها في ظل غياب المشترين.
وإلى جانب أزمة النقل، يؤكد مزارع الأرز محمد أمين أن تدهور جودة بعض الأراضي وانتشار الحشائش يدفعان الفلاحين إلى حرق القش والمخلفات، هربًا من الأعباء المالية الباهظة لتنظيف الحقول بالطرق التقليدية.
وبلغة الأرقام المتداولة بالقرى، قفزت يومية العامل الزراعي إلى 250 جنيهًا مقابل 5 ساعات عمل، ما يعني حاجة الفدان الواحد إلى 5 عمال بتكلفة تبلغ 1250 جنيهًا لإزالة الحشائش وتجهيز الأرض.
وفضلًا عن غلاء العمالة، يعاني المزارعون من انتشار مبيدات مغشوشة ومنخفضة التركيز بالسواق نتيجة ضعف الرقابة، ما يفشل مكافحة الحشائش ويدفع الفلاحين نحو إشعال النيران للتطهير السريع.
ومن جهته، يوضح حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن لجوء المزارعين لحرق البقايا يرتبط بصغر المساحات، وارتفاع تكاليف النقل للمكابس، وتدني الأسعار المعروضة من المشترين، ما يجعل التدوير بلا جدوى مالية.
وفي المقابل، تتجاهل السلطات هذه الأعباء مكتفية بتطبيق القانون رقم 202 لسنة 2020، والذي تنص مادته 70 على عقوبات قاسية تشمل الحبس لمدة تصل إلى عام، وغرامة تبدأ من 50 ألف وتصل إلى مليون جنيه.
الأقمار الصناعية ترصد وعجز حكومي ميداني
وبالتوازي مع التشديد القانوني، سخرت وزارة التنمية المحلية والبيئة الأقمار الصناعية لتعقب المزارعين، معلنة في سبتمبر 2026 رصد 131 نقطة حرق مكشوف بالمحافظات خلال النصف الأول من الشهر، وتوجيه فرق لتحرير المحاضر.
وخلال الفترة ذاتها، أعلنت الوزارة جمع 242 ألفًا و49 طنًا من قش الأرز بنطاق القاهرة الكبرى والدلتا، إلى جانب تنظيم 187 حملة وندوة للتوعية بمخاطر الدخان، دون إنهاء الأزمة جذريًا.
وعلى الرغم من هذه البيانات، فإن تسجيل 131 بؤرة نيران خلال 15 يومًا يثبت عجز الحملات عن وقف الحرائق، طالما ظلت القرى البعيدة محرومة من مراكز التجميع والمعدات.
وبالنظر إلى إجمالي المخلفات الصلبة، يقر الدكتور ياسر عبدالله، الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات، بأن البلاد تنتج نحو 100 مليون طن سنويًا، تشمل المخلفات الزراعية والمنزلية والصناعية ومخلفات الهدم.
ووفقًا لتقديرات وزارة البيئة، تستحوذ المخلفات الزراعية وحدها على 32% من الكميات السنوية، غير أن غياب البنية التحتية وعقود التشغيل يترك ملايين الأطنان خارج نطاق الجمع والمعالجة.
وفي سياق متصل، يقدر الدكتور محسن شكري، الخبير في إدارة المخلفات، حجم المخلفات الزراعية الفعلي بنحو 50 مليون طن سنويًا، يضاف إليها 15 مليون طن من مخلفات الصناعات الغذائية غير المستغلة.
وحول هذا الإهدار، يؤكد الدكتور أحمد حواش، أستاذ إعادة التدوير بمركز البحوث الزراعية، أن ترك هذه الثروة للحرق يضيع على التربة عناصر أساسية كالنيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم اللازمة للأسمدة العضوية.
ويترتب على التقاعس عن التدوير حرمان السوق المحلية من بدائل رخيصة للمدخلات والأعلاف، ما يفاقم موجة غلاء اللحوم والألبان ويزيد الأعباء المعيشية على المواطنين والمنتجين.
ومن الناحية الصحية، يحذر الدكتور محمد كمال، الرئيس التنفيذي للمعهد العربي لعلوم السلامة، من أن بقاء الحرق المكشوف يطلق غازات سامة وجسيمات دقيقة تدمر الجهاز التنفسي لسكان القرى والمدن.
وعلاوة على تلوث الهواء المهدد للأطفال وكبار السن، فإن تراكم المخلفات دون تخزين آمن يلوث التربة والمياه الجوفية، ويوفر بيئة حاضنة للآفات، ويهدد عمال الجمع بمخاطر مهنية جسيمة.
مليارات مهدرة وفرص تصديرية تضيع بالريف
وعلى الصعيد الاقتصادي، تؤكد دراسات مراكز البحث أن القيمة الاقتصادية المباشرة للمخلفات المهدرة تصل إلى نحو 3 مليارات جنيه سنويًا، تضيع نتيجة غياب التخطيط وضعف سلاسل الإمداد.
وفي هذا الإطار، تؤكد الدكتورة فوزية عامر، رئيس بحوث استخدام المخلفات بمعهد الإنتاج الحيواني، أن تصنيع البقايا كأعلاف يفتح أسواقًا تصديرية واعدة في دول الخليج كالإمارات والكويت.
وبالإضافة للعوائد، فإن توجيه الاستثمارات لمعالجة قش الأرز وبوص الذرة كفيل بحل أزمة نقص الأعلاف محليًا، وتوفير آلاف الوظائف للشباب بدلًا من استنزاف أموال الفلاحين بالغرامات.
ومن زاوية التصنيع المحلي، يوضح الدكتور محمد البهي، عضو اتحاد الصناعات، أن غياب منظومة متكاملة لجمع وفرز المخلفات يجبر المصانع على استيراد مدخلات يمكن تصنيع بدائلها محليًا.
وتبعًا للقصور الهيكلي، تهدر الدولة فرصًا لخفض فاتورة الواردات وتقليص تكاليف الإنتاج، بينما تستمر في تحميل المزارع وحده فاتورة الفشل الإداري عبر التلويح بالحبس والمصادرة.
ورغم الحديث عن مشروعات تدوير قش الأرز، تصطدم الوعود بانعدام الفرامات والمكابس المتنقلة قرب الحيازات الصغيرة، وتخلي الجمعيات التعاونية عن دورها في تسويق المخلفات.
وفي ظل هذا التناقض، تمتلك الأجهزة تقنيات حديثة لرصد الدخان فضائيًا، لكنها تعجز عن توفير أبسط خدمات الجمع والنقل بالنجوع، تاركة الفلاح فريسة لارتفاع أسعار المستلزمات.
وتأسيسًا على ذلك، فإن فرض غرامة تبدأ من 50 ألف جنيه على مزارع بسيط دون بديل اقتصادي ميسر يفرغ السياسات البيئية من مضمونها، ويحول القانون لأداة جباية تعمق أزمة الريف.
وأخيرًا، يبقى تساؤل المزارع عرفة محمد رمضان من المنيا شاهدًا على فشل سياسات حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، التي تطارد الفلاحين بالحبس والغرامات بدلًا من استثمار ثروات الحقول.

