يُعيد رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي تسويق وعود التخلي عن منصبه لامتصاص الاحتقان الجماهيري، مصوراً خروجه كمسار حتمي بهدف تخدير الشارع وتمرير سياسات الهيمنة، وسط تصاعد الرفض المجتمعي لانهيار الأوضاع المعيشية والانسداد الكامل للمجال العام في عموم البلاد.

 

وعلى صعيد التحركات الميدانية، تُكرر المؤسسة الحاكمة رسائل التهدئة أمام تشكيلات الكلية الحربية لحصار أي بوادر انتفاضة شعبية، متجاهلة المطالب الجذرية بإنهاء الحكم الفردي وتفكيك شبكات السيطرة المفروضة على القرار الوطني بالقوة الأمنية الغاشمة وملاحقة الأصوات الحرة.

 

 

هندسة الفراغ السياسي واغتيال الدستور

 

وبناءً على الوقائع الموثقة، يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد أن تعهدات عدم المساس بالوثيقة تسقط تماماً أمام سوابق تعديلات إبريل 2019، التي صُممت تفصيلاً لإلغاء التداول وتأبيد البقاء في الحكم.

 

إذ يرى الدكتور مصطفى كامل السيد أن تصريحات الاحتفاظ بالدولة تؤكد التوجه نحو تدشين مجالس عسكرية موازية تُدير المشهد من خلف الستار، بهدف تجريد أي استحقاق شكلي قادم من فاعليته والإبقاء على احتكار مقدرات الوطن.

 

وعلاوة على هذه الترتيبات، يُبرهن الواقع البرلماني الحالي على غياب أي حواجز دستورية تكبح الأغلبية المصنوعة داخل الأجهزة الأمنية عن تقديم التماسات فورية لمد الفترات الرئاسية، بذريعة استكمال المشاريع وإحكام استقرار المؤسسات التنفيذية القائمة.

 

وفضلاً عما سبق، تستهدف خطابات التهدئة الصادرة من القصور المغلقة قطع الطريق أمام تشكل جبهة وطنية جامعة قادرة على طرح بدائل مدنية حقيقية، تُنهي احتكار القرار وتوقف استنزاف مؤسسات الدولة لحساب مصالح النخبة الحاكمة.

 

 

صناعة الوصاية وحماية شبكات النفوذ

 

ومن هذا المنطلق التفكيكي، يؤكد المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي أن الزعم بجهوزية الكوادر يتناقض جذرياً مع تجريف العمل الحزبي، وملاحقة النشطاء المستقلين، وإحكام القبضة المطبقة على مختلف وسائل التعبير والتجمع.

 

ولذلك يُحدد الدكتور عمرو الشوبكي دلالات التلويح بعبارة عدم ترك الدولة باعتبارها مسعى صريحاً لتحويل المنصب إلى واجهة منزوعة الصلاحيات، مع تركيز السلطة الفعلية في أيدي قيادات عسكرية محصنة من المساءلة الدستورية والشعبية.

 

نتيجة لذلك، يرتعد أهل الحكم من فقدان المظلة القانونية بعد تراكم الملفات الحقوقية والمالية الشائكة، مما يفرض عليهم البحث عن مخارج تحصن الامتيازات الاقتصادية لكبار القادة، دون التراجع قيد أنملة عن مصادرة الحقوق الديمقراطية.

 

وارتباطاً بهذا المأزق، تُوظف منصات التوجيه المعنوي تعبيرات التخلي المؤجل لترتيب البيت الداخلي وإعادة توزيع الأدوار الاستخباراتية، لضمان استمرار التعيين الفوقي للقيادات وحماية السياسات المتبعة منذ سنوات من أي تدقيق قضائي أو شعبي.

 

 

ترحيل الإفلاس وتخدير الانفجار المعيشي

 

وفي سياق الانهيار الراهن، يُشير أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة باريس الدكتور أحمد السيد النجار إلى أن توظيف الوعود الرئاسية يهدف لعزل الجماهير عن مسببات الغلاء الفاحش، وتبعات اقتراض المليارات لتمويل مشاريع استعراضية بلا عائد إنتاجي.

 

وتبعاً لتحليلات الدكتور أحمد السيد النجار، فإن تسويق مزاعم الاستقرار في أكتوبر الجاري يعكس لهثاً مفضوحاً لطمأنة المؤسسات المالية الدولية والجهات الدائنة، بينما تتآكل الاحتياطيات النقدية ويسحق التضخم القياسي ملايين الأسر المصرية العاجزة عن تلبية احتياجاتها.

 

وبموازاة هذه السياسات، يدفع الفشل المالي المروّع مراكز القرار إلى شراء فترات تهدئة مجانية بالخطب الإنشائية، تحسباً لاندلاع ثورة جياع عارمة تنتزع الحقوق المسلوبة رداً على الانهيارات المتتالية لقيمة الجنيه وتدهور الخدمات العامة.

 

وإزاء هذا الانسداد التاريخي، تبقى وعود مغادرة المشهد محاولة يائسة للهروب من استحقاقات الحساب الشعبي، وترحيل الأزمات العاصفة لتثبيت أركان الهيمنة الفردية على حساب مستقبل الشعب واستقلال قراره وموارده الأساسية التي تآكلت بالكامل.