تواجه كوادر طب الأسنان في الجامعات المصرية مأزقاً مهنياً معقداً يهدد طموحات آلاف الحاصلين على شهادات الماجستير والدكتوراه، بعدما تحولت مسميات مؤهلاتهم التقليدية التراكمية إلى عائق وظيفي يمنع الاعتراف الخارجي بكفاءاتهم السريرية والبحثية المستحقة.

 

وبناءً على هذا التعثر، تصطدم مساعي الكوادر الطبية الراغبة في الهجرة أو التعاقد بصلابة الشروط التنظيمية في دول الخليج والدول الأوروبية، حيث ترفض تلك الجهات الشهادات التي تدمج تخصصات عدة تحت توصيف جامع غير مستقل.

 

 

جمود اللوائح يعطل مسار الخريجين

 

وفي هذا السياق، يوضح الدكتور طارق عبد الحميد، أستاذ طب وجراحة الفم واللثة بكلية طب الأسنان، أن إصرار المنظومة الجامعية على دمج أربعة فروع مستقلة في مسمى واحد يمثل انفصالاً تاماً عن مسار التعليم الحديث.

 

وعلاوةً على ذلك، يؤكد عبد الحميد أن البيروقراطية التعليمية الحالية تتجاهل متطلبات هيئات التخصصات الصحية العالمية، مما يجبر الباحث على استنزاف سنوات في رسالة متخصصة بأمراض اللثة ثم ينال وثيقة عامة تلغي تفرغه الفعلي.

 

ومن هذا المنطلق، يبرز تخصص طب الفم وأمراض اللثة وطرق التشخيص والأشعة كنموذج صارخ للوائح قديمة ترجع إلى عقود ماضية، حيث تعجز إدارات كليات الأسنان عن تفكيك هذا الاندماج الإداري بما يواكب المعايير الدولية.

 

ونتيجةً لهذا التصلب، يجد آلاف الخريجين ملفات ترخيصهم مرفوضة فور وصولها إلى لجان التقييم الخارجي، لأن الأنظمة الطبية الدولية لا تعترف بأي شهادة عليا تجمع بين علوم علاج اللثة وفيزياء الأشعة والتشخيص الموضعي معاً.

 

فضلاً عن ذلك، تتسبب تلك السياسات الجامعية في تخفيض الدرجات الوظيفية للكوادر الطبية المصرية بالخارج، وإلزامهم بالعمل كأطباء ممارسين عموميين، بالرغم من اجتيازهم برامج الماجستير والدكتوراه الإكلينيكية الشاقة داخل مستشفياتهم التعليمية الوطنية لسنوات طويلة.

 

وموازاةً مع ذلك، تلقي هذه الأزمة بظلالها على خريجي دفعة عام 2023 الذين حُرموا من استلام تظلمات تكليفهم الحكومي، إذ أغلقت وزارة الصحة أبواب المراجعة، مما وضع مستقبل أطباء الأسنان في مهب العشوائية الإدارية.

 

استناداً إلى ذلك، تتراكم العقبات الوظيفية أمام الطبيب المصري منذ تخرجه وحتى نيله الدرجات العليا، حيث أعلنت اللجنة العليا أن حركة التكليف ستجرى في شهر أبريل، بينما تبقى التظلمات الإلكترونية بلا استجابات حقيقية ملموسة.

 

وبالمثل، يمثل هذا التجاهل الرسمي امتداداً لسياسة بطء الاستجابة التي تتبعها وزارة التعليم العالي، حيث ترفض تعديل اللوائح التنفيذية القديمة، رغم علمها التام بأن أسواق العمل الإقليمية لم تعد تقبل بالمسميات العامة الفضفاضة نهائياً.

 

 

تناقض الشهادات يحرم الأطباء دولياً

 

في غضون ذلك، يوضح الدكتور شريف إبراهيم، استشاري جراحة وتجميل الأسنان وعضو الجمعية الدولية لأبحاث الأسنان، أن الخلل يكمن في التناقض الجوهري بين محتوى الأطروحة العلمية الدقيقة والمسمى المكتوب على الشهادات الجامعية الصادرة.

 

وفي تفصيل إضافي، يؤكد إبراهيم أن اشتراطات هيئات التخصص في دول الخليج العربي تعتمد مبدأ التخصص الأحادي الصريح لمنح ترخيص أخصائي، وتعتبر التوصيفات الثلاثية المركبة نقصاً في التأهيل المعرفي المباشر للباحث.

 

وعلى هذا الأساس، يترتب على هذا الخلل تعليق وتجميد عقود عمل مئات الأطباء، بعد إنفاقهم مدخرات طائلة لتوثيق أوراقهم، ليجدوا أنفسهم محاصرين بقرارات سحب عروض التوظيف وضياع فرص الترقية المؤسسية المستحقة بعد سنوات الجهد.

 

وبالموازاة مع ذلك، تؤدي هذه المعضلة إلى إهدار القيمة الأكاديمية للجامعات الحكومية، حيث ترفض الهيئات الأجنبية معادلة شهادات صادرة عن صروح عريقة، لا لضعف في المحتوى العلمي بل لعجز إداري عن مواكبة لغة العصر.

 

إضافةً إلى ذلك، يتحمل الطبيب المصري خسائر مالية فادحة ناتجة عن دفع رسوم تقييم متكررة لمنصات التصنيف المهني الدولية مثل داتا فلو، لتنتهي الإجراءات دائماً بقرارات الرفض بسبب التوصيف المجمع المعمول به في مصر.

 

ومن جانب آخر، يتساءل المتضررون عن أسباب تردد كليات الأسنان في فصل الأقسام علمياً، طالما أن الطالب يدرس مساقات منفصلة ويقدم أطروحته في موضوع محدد كعلاج اللثة أو التشخيص المجهري أو تصوير الفكين.

 

وعلى صعيد موازٍ، يشير الواقع الميداني إلى أن جامعات الدول المنافسة قامت منذ سنوات بتحديث مسمياتها لتتوافق مع معايير المنظمات الدولية، مما يمنح خريجي تلك الدول أفضلية مطلقة على حساب الكفاءات المصرية ذات التأهيل العالي.

 

تبعاً لذلك، يقف الطبيب حائراً بين قضاء سنوات عمره في تحصيل درجة علمية رفيعة لا تثمر مهنياً، وبين الهجرة القسرية للبدء من نقطة الصفر عبر دراسة برامج جديدة تعيد استنزاف موارده المالية وطاقته النفسية.

 

 

حلول التعديل الرجعي تفرض استحقاقها

 

في المقابل، يؤكد الدكتور أيمن حسني، خبير التشريعات الصحية والتعليم الطبي المقارن، أن الحلول التنظيمية متاحة ومجربة، مشيراً إلى أن تجربة توحيد تخصصات الاستعاضة السنية تثبت إمكانية إنهاء الأزمة بقرار وزاري شجاع وناجز.

 

واتصالاً بذلك، يوضح حسني أن المجلس الأعلى للجامعات سبق أن نجح في دمج التركيبات الثابتة والمتحركة تحت مسمى الاستعاضة السنية، وطبق القرار بأثر رجعي مما أنقذ أجيالاً سابقة من الخريجين وحمى حقوقهم بالخارج.

 

وانطلاقاً من تلك السابقة الناجحة، تدخلت الدكتورة راوية مختار، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، عبر تقديم طلب إحاطة رسمي موجه إلى وزير التعليم العالي لوضع حد فوري لمعاناة أطباء الأسنان المتضررين.

 

وبناءً على ذلك، شددت مختار في طلبها على ضرورة إلزام المجلس الأعلى للجامعات بإقرار آلية موحدة تتيح استخراج إفادات رسمية معتمدة توضح التخصص الدقيق للطبيب وفق أطروحته البحثية دون فرض أي رسوم باهظة.

 

وفي الاتجاه ذاته، طالبت عضو البرلمان بجدول زمني صارم لتنفيذ التسوية، مؤكدة أن تقاعس الجهات التنفيذية يهدد بتعطيل طاقات بشرية وطنية، ويضعف تنافسية الكفاءات الطبية المصرية التي لطالما شكلت ركيزة صحية أساسية إقليمياً.

 

وبالتالي، تتجه الأنظار الآن نحو لجنة التعليم والبحث العلمي بالبرلمان لإلزام المسؤولين بإصدار صيغة شهادات مرنة تلبي معايير الهيئات الطبية الخليجية والأوروبية، وتضمن الفصل الدقيق بين طب الفم واللثة والتشخيص والأشعة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يرى الأطباء المتضررون أن استمرار تجاهل ملفهم يعد إهداراً لثروة قومية استثمرت فيها الدولة والأسر أموالاً ضخمة، في حين يمكن حسم الأزمة بجرة قلم تعدل المسميات بأثر رجعي عادل.

 

وفي النهاية يبقى رهان آلاف الأطباء معلقاً بمدى رغبة الحكومة في التخلي عن الجمود الإداري، والانتصار لحق الخريجين في مسميات مهنية واضحة تعيد لشهاداتهم قيمتها المستحقة داخل مصر وخارج حدودها الإقليمية.